Algerian
Business
Platform

مقالات ذات صلة

اتفاقية الهجرة بين الجزائر وفرنسا.. ماذا كشف رد نونيز؟

عاد ملف اتفاقية 1968 بين الجزائر وفرنسا إلى واجهة النقاش السياسي في باريس، بعد رد وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز على سؤال كتابي تقدم به السيناتور فابيان جيني في أكتوبر 2024 حول التعاون بين البلدين في ملف الهجرة وإعادة الجزائريين الموجودين في وضعية غير قانونية.

وبينما يواصل الطرفان البحث عن مخرج للخلافات المرتبطة بالهجرة، كشف الرد الرسمي الفرنسي المنشور في مجلس الشيوخ في 3 سبتمبر 2026 عن تفصيل قانوني مهم: اتفاقية 27 ديسمبر 1968 نفسها لا تتضمن أحكامًا تتعلق بإبعاد الأجانب في وضعية غير قانونية.

أما التعاون المتعلق بالتعرف على الأشخاص وترحيل من صدرت بحقهم قرارات إبعاد، فيستند إلى بروتوكول منفصل أُبرم في 27 أبريل 1994 بشأن إصدار تصاريح المرور القنصلية.

لماذا عادت اتفاقية 1968 إلى الواجهة؟

طرح السيناتور الفرنسي فابيان جيني سؤاله في 10 أكتوبر 2024، مستفسرًا عن تطبيق الاتفاقية الفرنسية الجزائرية الموقعة سنة 1968، في ظل ما اعتبره صعوبات في التعاون بشأن إصدار تصاريح المرور القنصلية اللازمة لتنفيذ قرارات مغادرة الأراضي الفرنسية.

وكان السؤال موجّهًا في الأصل إلى وزير الداخلية الفرنسي، قبل أن تأتي الإجابة الرسمية بعد نحو عامين، في 3 سبتمبر 2026.

وتكتسب الاتفاقية حساسية خاصة لأنها تنظم وضعية الجزائريين في فرنسا في مجالات التنقل والعمل والإقامة ضمن نظام ثنائي خاص، يختلف في بعض جوانبه عن القواعد العامة المطبقة على جنسيات أخرى.

وقد خضعت الاتفاقية منذ توقيعها إلى تعديلات في أعوام 1985 و1994 و2001.

اقرأ أيضًا: هل ينتهي جمود هيئتي الاستيراد والتصدير في الجزائر؟

أبرز ما جاء في الرد الفرنسي يتمثل في توضيح العلاقة بين اتفاقية 1968 وبروتوكول 1994.

فبحسب وزارة الداخلية الفرنسية، فإن اتفاقية 27 ديسمبر 1968 المتعلقة بالتنقل والعمل والإقامة في فرنسا للمواطنين الجزائريين وعائلاتهم لا تتضمن أي أحكام بشأن إبعاد الأجانب الموجودين في وضعية غير قانونية.

أما التعاون بين باريس والجزائر بشأن تحديد هوية الأشخاص الخاضعين لقرارات الإبعاد وإعادتهم، فيستند إلى بروتوكول تعاون مؤرخ في 27 أبريل 1994 يتعلق بإصدار تصاريح المرور القنصلية.

وهذه النقطة تكتسي أهمية كبيرة في الجدل السياسي الفرنسي، لأن النقاش حول اتفاقية 1968 غالبًا ما يُربط مباشرة بملف ترحيل الجزائريين الخاضعين لقرارات مغادرة الأراضي الفرنسية.

غير أن الوثيقة الرسمية تميز قانونيًا بين الملفين.

أقر وزير الداخلية الفرنسي في رده بوجود تراجع في التعاون المتعلق بعمليات العودة.

وبحسب الرواية الرسمية الفرنسية، تدهورت آليات التعاون في مجال العودة منذ عام 2020، بالتزامن مع أزمة جائحة كورونا، واستمر الوضع خلال 2021.

لكن باريس تشير إلى أن التعاون القنصلي بدأ يستعيد نشاطه تدريجيًا اعتبارًا من مارس 2022، وهو ما أدى، وفق وزارة الداخلية الفرنسية، إلى ارتفاع منتظم ثم متسارع في إصدار تصاريح المرور القنصلية، وبالتالي إلى زيادة عدد عمليات الإبعاد.

وهذه المعطيات مهمة لأنها تقدم صورة أكثر تعقيدًا من رواية القطيعة الكاملة؛ فالموقف الرسمي الفرنسي يتحدث عن تدهور ثم استئناف تدريجي للتعاون.

هل تراجعت العلاقات الجزائرية الفرنسية بسبب الهجرة فقط؟

ملف الهجرة لا يمكن فصله عن المسار العام للعلاقات الجزائرية الفرنسية.

فخلال سنة 2026، تحركت باريس لإعادة فتح قنوات الحوار مع الجزائر، حيث زار لوران نونيز الجزائر يومي 16 و17 فبراير، قبل أن يلتقي نظيره الجزائري سعيد سعيود في باريس في يونيو.

وأكدت وزارة الداخلية الفرنسية أن اللقاءات تناولت التعاون الأمني ومكافحة الإرهاب والحماية المدنية، إلى جانب الملف الأكثر حساسية: الهجرة والعودة ومكافحة الهجرة غير النظامية.

وفي هذا السياق، قالت الوزارة إن قنوات الاتصال التشغيلية ستُعزز ضمن مقاربة تشمل التنقلات القانونية، وعمليات العودة، ومكافحة الهجرة غير النظامية.

كما أكدت أن الطرفين ناقشا اتفاقية 1968 واتفقا على العمل انطلاقًا من مقترحات فرنسية ملموسة لتطويرها.

اقرأ أيضًا: الجزائر وفرنسا.. لماذا عاد الحوار الأمني إلى الواجهة؟

مصطلح «المراجعة» لا يعني بالضرورة إلغاء الاتفاقية.

فالوثائق الفرنسية الرسمية تشير إلى أن الاتفاقية تمثل نظامًا خاصًا ينظم حركة الجزائريين وإقامتهم وعملهم في فرنسا، وقد عُدلت بالفعل في مناسبات سابقة.

وفي تقرير لمجلس الشيوخ الفرنسي، وُصفت الاتفاقية بأنها نظام ثنائي خاص، نشأ تاريخيًا من خصوصية العلاقات بين البلدين، وخضع لتعديلات في 1985 و1994 و2001.

لذلك فإن أي مراجعة جديدة يمكن أن تتناول بنودًا محددة دون أن تعني تلقائيًا إنهاء الاتفاقية بالكامل.

وهنا تكمن أهمية التطورات الحالية: باريس تتحدث عن تطوير الاتفاق، بينما لا توجد في الرد الأخير إشارة إلى إلغائه.

لماذا تطالب أصوات فرنسية بإلغاء الاتفاقية؟

الجدل حول اتفاقية 1968 ليس جديدًا داخل فرنسا.

ففي السنوات الأخيرة، طالبت أصوات سياسية فرنسية بإلغاء الاتفاقية أو إعادة النظر جذريًا في النظام الخاص الذي تمنحه للمواطنين الجزائريين.

وفي مجلس الشيوخ، طرحت مقترحات تعتبر أن الاتفاقية تمنح الجزائريين نظامًا مختلفًا عن القواعد العامة للهجرة والإقامة في فرنسا، وربطت بعض هذه الدعوات أيضًا بملف التعاون في إصدار تصاريح المرور القنصلية.

لكن هذه المواقف السياسية لا تعني أن قرار الإلغاء قد اتخذ.

فالواقع الحالي هو أن الاتفاقية ما تزال قائمة، والحوار الرسمي يتجه نحو مراجعتها أو تطويرها.

في المقابل، سبق للجزائر أن أكدت أن أي مساس فرنسي باتفاقية 1968 لن يكون دون تبعات.

ويقوم الموقف الجزائري المعلن على مبدأ التعامل بالمثل، مع إمكانية إعادة النظر في اتفاقيات وبروتوكولات أخرى تحكم العلاقات الثنائية إذا قررت باريس اتخاذ خطوة أحادية الجانب بشأن اتفاقية 1968.

وهذا يجعل الملف أكثر تعقيدًا من مجرد قضية هجرة.

فالحديث عن الاتفاقية يرتبط بشبكة واسعة من الملفات التي تجمع البلدين، من التنقل والإقامة إلى التعاون الأمني والقنصلي والاقتصادي.

ماذا يريد نونيز من الجزائر؟

من خلال المواقف الفرنسية الرسمية خلال 2026، يبدو أن باريس تسعى إلى إعادة بناء تعاون عملي مع الجزائر، خصوصًا في الملفات الأمنية والهجرة.

وزارة الداخلية الفرنسية تحدثت صراحة عن رغبة الطرفين في استئناف تعاون «وفيّ» يسمح بزيادة عمليات العودة، مع تعبئة القنصليات الجزائرية الموجودة في فرنسا لهذا الغرض.

وفي الوقت نفسه، تواصل باريس طرح فكرة تطوير اتفاقية 1968.

وهذا يعني أن الهجرة أصبحت جزءًا من حزمة تفاوضية أوسع، بدل أن تكون ملفًا منفصلًا عن بقية العلاقة الثنائية.

تكمن حساسية الاتفاقية في أنها ليست مجرد وثيقة هجرة عادية.

فهي ترتبط بتاريخ العلاقات بين الجزائر وفرنسا، وتنظم أوضاع فئة واسعة من المواطنين الجزائريين في فرنسا، كما أن تعديلها أو إنهاءها يمكن أن تكون له تداعيات سياسية وقانونية وإنسانية واسعة.

وفي المقابل، تعتبر أطراف سياسية فرنسية أن استمرار النظام الخاص لم يعد متناسبًا مع الظروف الحالية، وتدعو إلى تقريب وضع الجزائريين من قواعد الهجرة العامة في فرنسا.

لذلك، فإن أي تغيير محتمل سيكون على الأرجح نتيجة تفاوض سياسي وقانوني معقد بين البلدين.

بعيدًا عن السجال السياسي، يمكن تلخيص أهم ما كشفه الرد الفرنسي في أربع نقاط:

أولًا: اتفاقية 1968 لا تتضمن، بحسب وزارة الداخلية الفرنسية، أحكامًا بشأن إبعاد الأجانب في وضعية غير قانونية.

ثانيًا: التعاون الخاص بتحديد الهوية وإصدار تصاريح المرور القنصلية يستند إلى بروتوكول 1994.

ثالثًا: باريس تقر بأن التعاون في عمليات العودة تراجع خلال أزمة كورونا، قبل أن يبدأ في التحسن تدريجيًا منذ مارس 2022.

رابعًا: ملف اتفاقية 1968 عاد فعليًا إلى طاولة الحوار الجزائري الفرنسي في 2026، مع توجه فرنسي نحو تقديم مقترحات لتطوير الاتفاق.

الهجرة تعود إلى قلب العلاقة الجزائرية الفرنسية

ما يحدث اليوم لا يبدو مجرد إعادة فتح لنقاش قديم.

فبعد سنوات من التوترات المتراكمة، عادت قنوات الاتصال الرسمية بين الجزائر وباريس إلى العمل، وأصبح ملف الهجرة واتفاقية 1968 أحد أبرز الاختبارات الجديدة لمسار العلاقات الثنائية.

وبين رغبة فرنسية في تعزيز عمليات العودة وإعادة النظر في بعض ترتيبات الاتفاق، وتمسك جزائري بمبدأ التعامل بالمثل، تبدو المفاوضات المقبلة أمام اختبار حساس.

والسؤال لم يعد فقط: هل ستُلغى اتفاقية 1968؟

بل أصبح أكثر تعقيدًا:

وهنا قد تكون الإجابة عن هذا السؤال هي مفتاح المرحلة الجديدة في العلاقات الجزائرية الفرنسية.

#الجزائر #فرنسا #اتفاقية_1968

شارك المقال:

شارك المقال:

الأكثر قراءةً