ملف | فريق التحرير — راس المال
الجزائر في قلب خارطة الطاقة العالمية الجديدة
لم تعد الجزائر مجرد اسم على خريطة موردي الطاقة لأوروبا، بل باتت عنواناً استراتيجياً تتسابق نحوه كبريات شركات النفط والغاز العالمية في طوكيو وواشنطن وبروكسل وبكين. والسؤال الذي لم يعد أحد يطرحه في أروقة هذه العواصم هو “هل نستثمر في الجزائر؟”، بل تحوّل إلى “كيف نؤمن أسرع نفاذٍ لرقع الاستكشاف الجديدة قبل اشتعال المنافسة؟”
في هذا السياق، جاء الإطلاق الرسمي لمناقصة “Algeria Bid Round 2026“ في 19 أبريل 2026 بالمركز الدولي للمؤتمرات “عبد اللطيف رحال” بالجزائر العاصمة، عبر الوكالة الوطنية لتثمين موارد المحروقات (ألنفط – ALNAFT)، ليُعلن بوضوح أن الجزائر لا تنتظر المستثمرين بل تستقطبهم باستراتيجية متكاملة وآليات حديثة.

ماذا تطرح الجزائر في جولة 2026؟
سبع رقع استكشافية بكمونات مؤكدة
تتضمن جولة 2026 طرح 7 رقع استكشافية وتطويرية ذات كمونات هيدروكربونية مؤكدة، موزعة على أحواض بركانية ورسوبية واعدة في عمق الصحراء الجزائرية:
البرمة 2 (ورقلة)، شمال المزائد (ورقلة)، إليزي الوسطى 1 (إليزي)، شرق برج عمر إدريس 1 (إليزي)، الهجيرة 3 (توقرت)، جنوب توقرت (توقرت)، شرق البنود (البيض).
تتوزع هذه الرقع في مناطق تتميز بقربها المباشر من الحقول المنتجة وشبكات الأنابيب الكبرى، مما يُقلص النفقات الرأسمالية ويُنقص الزمن اللازم لتحويل الاكتشافات إلى إنتاج فعلي.
سوناطراك تُعلن أضخم خطة استثمارية في تاريخها
تزامن إطلاق الجولة مع إعلان مجمع سوناطراك عن خطته الاستثمارية الخماسية 2026-2030 بقيمة 60 مليار دولار، تُخصص 80% منها (48 مليار دولار) لأنشطة الاستكشاف والإنتاج (Upstream) بهدف توسيع طاقات التصدير وتلبية الطلب المحلي المتزايد، فيما تذهب النسبة المتبقية 20% (12 مليار دولار) نحو التكرير والبتروكيماويات.
اقرأ أيضًا: الجزائر تقود نمو واردات الغاز الأوروبية في 2026

القوة القانونية الناعمة — قانون المحروقات 19-13
ثلاثة نماذج عقدية تُلبي كل استراتيجية استثمار
تُمثل جولة 2026 التطبيق العملي الأوسع لمرونة قانون المحروقات رقم 19-13، الذي أزال الترسبات البيروقراطية السابقة وخفّض العبء الضريبي على الشركاء الأجانب، ويُتيح ثلاثة نماذج عقدية مرنة:
عقود تقاسم الإنتاج (PSC): تُتيح للشركات تغطية تكاليفها الاستثمارية بسرعة والحصول على حصة مجزية من الأرباح، وتُعد الأكثر جاذبية للشركات الراغبة في الاسترداد السريع لرأس المال.
عقود المشاركة: تُبنى على التمويل والتشغيل المشترك مع سوناطراك، وتمنح الشركاء الأجانب حضوراً تشغيلياً مباشراً.
عقود تقديم الخدمات بمخاطرة (Risk Services): تُناسب الشركات الراغبة في تقليل مخاطرها المباشرة مع الحفاظ على هامش ربحي مستقر.
قاعدة بيانات نفطية تاريخية مفتوحة للعالم
لضمان الشفافية وجذب الشركات الرصينة، أتاحت وكالة “ألنفط” لأول مرة غرف البيانات الرقمية (VDRs) ابتداءً من يونيو 2026، تحتوي على كنز جيوفيزيائي هائل: أكثر من 71,500 ملف زلزالي ثنائي الأبعاد (2D)، و4,280 ملف زلزالي ثلاثي الأبعاد (3D)، إضافة إلى تسجيلات 10,737 بئراً نفطياً وغازياً، في قاعدة بيانات تُشكّل خارطة جيولوجية شاملة للباطن الجزائري.

ماذا تريد عمالقة الطاقة من الجزائر؟
أ. خفض المخاطر بفضل البنية التحتية الجاهزة
تتميز الرقع السبع المطروحة بأنها ليست أراضي بكراً مجهولة الأعماق، بل مناطق مدروسة جيولوجياً تحيط بها حقول منتجة وشبكات أنابيب جاهزة، مما يُقلص تكاليف التطوير الأولية ويُعجّل بعائد الاستثمار، وهو الحساب الذي تُقدّمه شركات كـExxonMobil وChevron وTotalEnergies وEni وSinopec وBP في دراساتها الاستكشافية الأولية.
ب. شريان النفاذ المباشر إلى أوروبا
في ظل سعي أوروبا المحموم لتنويع منابع طاقتها بعد الصدمة الروسية، تمنح الجزائر ميزة نادرة لا تملكها أي منطقة إنتاج منافسة: شبكة أنابيب مباشرة عبر المتوسط. فخط Medgaz يربط الجزائر بإسبانيا، وخط Transmed يصل إلى إيطاليا، ويُمكّن كلاهما نقل أي كميات غازية إضافية بأسرع وقت وأقل تكلفة وأدنى بصمة كربونية، وهو ما تحلم به الشركات العاملة في الخليج أو غرب أفريقيا.
ج. شراكة في التحول الطاقوي والهيدروجين الأخضر
لا تنظر الشركات العالمية إلى الجزائر كموقع للاستخراج التقليدي فحسب، بل تتطلع إلى بناء نموذج عمل مستقبلي يدمج استخراج الهيدروكربونات بمشاريع الحد من انبعاثات الميثان واحتجاز الكربون (CCUS)، والاستثمار في الهيدروجين الأخضر المنتج من الطاقة الشمسية الصحراوية الوفيرة، مستفيدةً من القرب الجغرافي للأسواق الأوروبية التي التزمت بشراء الهيدروجين النظيف ضمن خططها لتحقيق الحياد الكربوني بحلول 2050.
اقرأ أيضًا: الجزائر نقطة الربط الهيدروجيني لأوروبا | مليون طن بحلول 2030 و25 مليار دولار استثمارات

الخارطة الزمنية الحاسمة للجولة
حدّدت وكالة “ألنفط” جدولاً زمنياً دقيقاً لضمان المنافسة التكافؤية:
19 أبريل 2026 الإطلاق الرسمي لمناقصة Algeria Bid Round 2026 بالجزائر العاصمة.
4 يونيو 2026 الفتح الرسمي لغرف البيانات الرقمية (VDRs) أمام المستثمرين.
26 نوفمبر 2026 الموعد النهائي لتقديم العروض الفنية والمالية وفتح الأظرفة.
31 يناير 2027 التوقيع الرسمي للعقود وانطلاق عمليات الاستكشاف الميداني.
مستقبل الطاقة الجزائرية نحو 2030
من مُصدِّر الغاز إلى مركز الطاقة المتكاملة
إذا كانت الجزائر عام 2022 تُعرَّف بأنها مورد غاز لأوروبا، فإن ملامح عام 2030 ترسم صورة مختلفة جذرياً: دولة طاقة متكاملة تجمع بين النفط والغاز والهيدروجين الأخضر والطاقة الشمسية، وتمتلك شبكة تصدير لا مثيل لها في المنطقة.
أربعة ركائز تصنع الجزائر 2030
ركيزة النفط والغاز التقليدي: 60 مليار دولار استثمارات سوناطراك تستهدف رفع الإنتاج من الغاز إلى مستويات تاريخية، مع اكتشافات جديدة مرتقبة من الرقع السبع لجولة 2026.
ركيزة الهيدروجين الأخضر: مليون طن إنتاج مستهدف بحلول 2030، و4 ملايين طن للتصدير عبر ممر الهيدروجين الجنوبي بالشراكة مع ألمانيا وإيطاليا والنمسا، باستثمارات تتراوح بين 20 و25 مليار دولار.
ركيزة الطاقة الشمسية: أكثر من 22,000 ساعة إشعاع شمسي سنوي في الصحراء الجزائرية، جعلت الجزائر وجهة لا تُنافَس في إنتاج الكهرباء الخضراء منخفضة الكلفة.
ركيزة البتروكيماويات: 12 مليار دولار من خطة سوناطراك موجهة للتكرير والبتروكيماويات بهدف الانتقال من تصدير المادة الخام إلى تصدير منتجات ذات قيمة مضافة كالبولي بروبيلين والأمونيا.
80 تريليون قدم مكعب من الغاز غير المكتشف
لا يمكن الحديث عن مستقبل الطاقة الجزائرية دون استحضار التقرير المذهل الصادر عن هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية (USGS) في أبريل 2026، الذي كشف عن 80.1 تريليون قدم مكعب من موارد الغاز غير المكتشفة والقابلة للاستخراج تقنياً في إقليم حوض الغرب الكبير، وهو رقم يُعادل عشرات السنوات من الإنتاج الحالي ويُضع الجزائر في مرتبة الدول الأكثر ثراءً بالغاز غير التقليدي على مستوى العالم.
اقرأ أيضًا: 80 تريليون قدم مكعب من الغاز غير المكتشف | هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية تكشف كنزاً جزائرياً

مثلث الاستقرار الذي يصنع الجاذبية
توفر الجزائر للمستثمرين الدوليين ما يُمكن تسميته “مثلث الاستقرار” في صناعة النفط والغاز العالمية:
الأمن القانوني والاستثماري: قانون محروقات مرن يُوفر ثلاثة نماذج عقدية ومحفزات ضريبية تنافسية، مع استقرار سياسي يجعل الجزائر أكثر أماناً من منافسين إقليميين وأفارقة.
الاحتياطيات الهيدروكربونية المثبتة: احتياطيات غاز مؤكدة تجعلها المورد الأول لكل من إسبانيا وإيطاليا، مع إمكانات استكشافية هائلة لم تُستغل بعد.
النفاذ اللوجستي المباشر لأهم الأسواق: شبكة أنابيب جاهزة تصل مباشرة للقارة الأوروبية، وموقع جغرافي يجعل كلفة النقل أدنى بكثير من المنافسين الخليجيين والأمريكيين.
الجزائر 2030 ليست حلماً مؤجلاً بل مشروع دولة قيد التنفيذ. وجولة التراخيص 2026 ليست مجرد مناقصة نفطية، بل إعلان هوية طاقوية لدولة تعيد تشكيل دورها في خارطة الطاقة العالمية.
المصدر: الوكالة الوطنية لتثمين موارد المحروقات ALNAFT
المصدر: مجمع سوناطراك — المخطط الاستثماري 2026-2030
المصدر: هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية USGS — Fact Sheet 2026-3005
المصدر: The Geopolitical Desk & Strago International
المصدر: وكالة الطاقة الدولية IEA
#جولة_التراخيص_النفطية_2026 #سوناطراك #الطاقة_الجزائرية_2030


