يُظهر قطاع الكهرباء في الجزائر نموذجًا طاقويًا متكاملًا ومستقرًا في المنطقة العربية والإفريقية، حيث يعتمد بصورة شبه كاملة على الغاز الطبيعي، مدعومًا باحتياطات ضخمة وقدرات توليد واسعة، إلى جانب شبكة نقل وطنية متطورة وخطط استثمارية لتعزيز الطاقات المتجددة والربط الإقليمي. ويشكل هذا القطاع حجر الزاوية في الأمن الطاقوي للجزائر، وقدرته على ضمان تزويد السكان والصناعة بالكهرباء بشكل منتظم، وتصدير الفائض لدول الجوار خلال ذروة الطلب الإقليمي، دليل واضح على قوة المنظومة الوطنية.
قوة الإنتاج والكفاءة التشغيلية
تمتلك الجزائر قدرة مركبة تبلغ 27.33 ألف ميغاواط وإنتاج سنوي يتجاوز 96.3 تيراواط/ساعة، مع استهلاك الغاز لتوليد أكثر من 95 تيراواط/ساعة، مقابل مساهمة محدودة للطاقة الشمسية والرياح والطاقة الكهرومائية. وتمنح الاحتياطيات الضخمة من الغاز، التي تتجاوز 159 تريليون قدم مكعبة، البلاد هامش أمان استراتيجي لتشغيل محطات الدورة المركبة بكفاءة عالية وتلبية ذروة استهلاك تخطت 20 ألف ميغاواط.
المحطات العملاقة العمود الفقري للشبكة
تُشكّل خمس محطات رئيسية نحو 40٪ من الإنتاج الوطني، وهي:
بلارة بولاية جيجل بطاقة 1600 ميغاواط، تعمل بتقنية الدورة المركبة وتغذي النشاط الصناعي في مركب الحديد والصلب.
حجرة النوس بولاية تيبازة بطاقة 1227 ميغاواط، تضم ثلاث خطوط إنتاج بالدورة المركبة وتستخدم مرجل استغلال حرارة العادم.
رأس جنات بولاية بومرداس بطاقة 1200 ميغاواط، مزودة بوحدات تحلية مياه البحر ونظام هيدروجين لتبريد المولدات.
تارقة بولاية عين تيموشنت بطاقة 1200 ميغاواط، تدعم غرب الجزائر والصناعات المحلية.
كدية الدراوش بولاية الطارف بطاقة 1200 ميغاواط، أسهمت في استقرار الشبكة الشرقية، بتنفيذ مشترك بين جنرال إلكتريك وإيبردرولا.
الطلب المتزايد والتحول الطاقوي
يشهد الطلب على الكهرباء نموًا سنويًا يقارب 5.4٪، مع توقعات بارتفاع مستمر حتى 2027، نتيجة توسع ديموغرافي وزيادة الاستهلاك الصناعي والمنزلي. وبدأت الجزائر فعليًا خطوات تنويع مزيج الكهرباء عبر مشاريع الطاقة الشمسية، أبرزها مشروع “سولار 1000” ومحطات بقدرة إجمالية تصل إلى 3 غيغاواط، إضافة إلى مشاريع الربط بين الشبكة الشمالية والجنوب الكبير بطول 880 كيلومترًا لدعم إدماج الطاقة الشمسية.
دور الجزائر الإقليمي واستراتيجية الربط
تساهم الجزائر في الأمن الطاقوي الإقليمي من خلال تصدير الكهرباء إلى تونس، حيث بلغت الصادرات نحو 500 ميغاواط يوميًا خلال الصيف، وتعكف على مشاريع ربط محتمل مع أوروبا عبر مذكرة تفاهم مع شركة إيني الإيطالية، ما قد يجعل الجزائر أول دولة إفريقية تصدر الكهرباء مباشرة إلى أوروبا.
ثلاثية الغاز والطاقة الشمسية والربط الإقليمي
تستند الاستراتيجية الوطنية على ثلاث ركائز:
الغاز الطبيعي كقاعدة تشغيلية ثابتة.
الطاقات المتجددة بوتيرة متصاعدة لدعم الاستدامة البيئية.
الربط الإقليمي لتعزيز صادرات الكهرباء والأمن الطاقوي للمنطقة.
وتعكس هذه الديناميات قدرة الجزائر على الجمع بين وفرة الغاز والكهرباء المتجددة، مع الحفاظ على استقرار الشبكة، وتوفير فائض للتصدير، ما يؤسس لقطاع كهرباء استراتيجي قادر على دعم الصناعة وتعزيز التنافسية على المستويين الإقليمي والدولي.




