Algerian
Business
Platform

مقالات ذات صلة

الصكوك في الجزائر.. Fitch تضع السوق الناشئة أمام اختبار حقيقي

وضعت وكالة Fitch Ratings الجزائر ضمن الأسواق الناشئة التي بدأت تشق طريقها في سوق الصكوك السيادية، إلى جانب مصر وبنغلاديش، في وقت لا يزال فيه هذا السوق بالجزائر في مراحله الأولى، سواء من حيث حجم الإصدارات أو تنوع أدوات إدارة السيولة المتاحة أمام البنوك الإسلامية.

وتكتسب إشارة Fitch أهمية خاصة بالنسبة للجزائر، باعتبار أن البلاد لم تدخل سوق الصكوك السيادية إلا حديثًا، فيما لا يزال الإصدار الحكومي الوحيد المسجل إلى غاية الآن بعيدًا عن بلوغ كامل المبلغ المستهدف.

جاءت إشارة Fitch ضمن تقرير حول أدوات إدارة السيولة لدى البنوك الإسلامية عالميًا، حيث تناولت الوكالة تطور سوق الصكوك والبنية المالية التي تسمح للمؤسسات الإسلامية بإدارة فوائضها واحتياجاتها من السيولة.

وفي الحالة الجزائرية، لا يزال هذا المسار محدودًا نسبيًا، إذ يعتمد السوق حاليًا على إصدار سيادي واحد يمتد على سبع سنوات.

وبحسب بيانات Algérie Clearing، بلغ حجم المبالغ المسجلة في هذا الصك إلى غاية 20 أوت 2026 نحو 137.43 مليار دينار، مقابل هدف إجمالي قدره 296.65 مليار دينار، أي ما يعادل 46.3% من المبلغ المستهدف. ويبلغ معدل العائد المحدد للصك 6%، فيما تمتد آجاله إلى 31 ديسمبر 2032.

وهنا تظهر المفارقة: الجزائر بدأت بالفعل في بناء سوق للصكوك السيادية، لكن حجم السوق وأدواته لا يزالان محدودين مقارنة بالأسواق الإسلامية الأكثر نضجًا.

أهمية الصكوك بالنسبة للبنوك الإسلامية لا تتوقف عند كونها أداة لتمويل الدولة، إذ تؤدي دورًا أساسيًا في إدارة السيولة.

فالبنك الإسلامي الذي يمتلك فوائض نقدية يحتاج إلى أدوات مالية متوافقة مع الشريعة يمكنه الاستثمار فيها، كما يحتاج إلى أدوات يستطيع من خلالها تغطية احتياجاته قصيرة الأجل دون اللجوء إلى آليات لا تتلاءم مع طبيعة نشاطه.

وفي الأسواق الإسلامية الأكثر تطورًا، توجد مجموعة أوسع من الأدوات، من بينها شهادات الإيداع، وترتيبات الإيداع بين البنوك، إضافة إلى عمليات تمويل قصيرة الأجل بضمان الصكوك، وهي آلية تؤدي وظيفة قريبة من سوق الريبو في النظام المالي التقليدي.

أما في الجزائر، فلا تزال هذه المنظومة في طور التشكّل.

المسألة، لذلك، لا تتعلق فقط بقدرة الخزينة على جمع مبلغ محدد من إصدار واحد، وإنما بقدرة الجزائر على بناء سوق صكوك متكامل قادر على خدمة البنوك والمستثمرين والدولة في الوقت نفسه.

فوجود إصدار واحد، وبأجل استحقاق طويل نسبيًا، لا يوفر وحده الأدوات الكافية لإدارة السيولة اليومية للمؤسسات المالية الإسلامية.

وتشير Fitch في تحليلها إلى أن عددًا من أبرز أسواق التمويل الإسلامي، خصوصًا في الخليج وماليزيا وتركيا وإندونيسيا وباكستان وبنغلاديش وتونس، طورت آليات خاصة تتيح للبنوك الإسلامية التعامل مع احتياجات السيولة عبر البنوك المركزية.

وهذا يبرز حجم الورشة التي لا تزال أمام الجزائر: إصدار الصكوك هو البداية، وليس نهاية المسار.

إقرأ أيضا: BNA يمول 90% من سعر السيارات الجديدة

46.3%.. ماذا تقول أرقام الإصدار الجزائري؟

التحصيل المسجل حتى 20 أوت لا يعني بالضرورة فشل التجربة، كما لا يمكن اعتباره نجاحًا مكتملًا.

فالعملية هي أول تجربة سيادية من هذا النوع، وبالتالي فإن مستوى الإقبال يمثل أحد المؤشرات التي ستساعد السلطات والفاعلين الماليين على قياس حجم الطلب الحقيقي على هذه الأداة وشروطها المناسبة للسوق المحلية.

لكن الرقم يحمل في الوقت نفسه رسالة واضحة: الوصول إلى مستثمرين قادرين وراغبين في توظيف نحو 296.65 مليار دينار عبر الصكوك يتطلب تطوير قاعدة المستثمرين، وتنويع المنتجات، وربط الإصدارات باحتياجات فعلية لدى البنوك والمؤسسات المالية.

وبعبارة أخرى، التحدي المقبل ليس إصدار صك جديد فقط، بل بناء طلب مستدام على الصكوك.

من أبرز التحديات التي يطرحها تطور السوق أيضًا محدودية الصكوك قصيرة الأجل.

فالصكوك ذات آجال تقل عن سنة تمنح البنوك أداة أكثر مرونة لإدارة السيولة اليومية، بينما يظل الإصدار الجزائري الحالي ذا أجل سبع سنوات.

وهذا الفارق مهم جدًا بالنسبة للبنوك الإسلامية، لأن إدارة السيولة لا تحتاج فقط إلى أدوات طويلة الأجل، بل إلى منتجات يمكن الدخول والخروج منها وفق احتياجات المؤسسة المالية.

لذلك، فإن تطوير سوق الصكوك في الجزائر سيتطلب، على المدى المتوسط، تنويع الآجال والأحجام والهياكل بدل الاكتفاء بإصدارات طويلة الأجل.

تصنيف الجزائر ضمن الأسواق الناشئة في مجال الصكوك لا يعني أن السوق المحلية أصبحت ضمن مراكز التمويل الإسلامي الكبرى، بل يعكس موقعها في مرحلة انتقالية بدأت فيها الدولة بتوفير أحد المكونات الأساسية لهذا السوق.

والمرحلة الأصعب قد تكون الآن: تحويل الصكوك من منتج مالي جديد إلى جزء طبيعي من البنية المالية الجزائرية.

فإذا نجحت الجزائر في تنويع الإصدارات، وتوسيع قاعدة المستثمرين، وتطوير أدوات السيولة المتوافقة مع الشريعة، وخلق سوق ثانوية أكثر نشاطًا، فقد يتحول الإصدار الأول إلى نقطة انطلاق لسوق أوسع.

أما إذا بقيت التجربة محصورة في إصدار سيادي واحد طويل الأجل، فسيظل الصكوك أداة تمويل محدودة أكثر منه سوقًا ماليًا متكاملًا.

#الجزائر #الصكوك #المالية_الإسلامية

شارك المقال:

شارك المقال:

الأكثر قراءةً