Algerian
Business
Platform

مقالات ذات صلة

انهيار نفوذ فرنسا الاقتصادي في الجزائر: من الشراكة إلى الإقصاء

ثلاث صادرات محورية تنهار: القمح، السيارات، ولحوم الأبقار

عرفت العلاقات الاقتصادية بين الجزائر وفرنسا منعطفًا حادًا خلال العام المنصرم، تمخّض عنه تراجع لافت في ثلاث من أهم صادرات باريس نحو الجزائر: القمح، السيارات، ولحوم الأبقار. هذه المنتجات، التي كانت تمثّل ذات يوم ركيزة التبادل التجاري بين البلدين، تحوّلت إلى سلعة “غير مرغوب فيها” في السوق الجزائرية، في ظل تحوّلات استراتيجية فرضتها السياسة الاقتصادية الجديدة للجزائر، التي تقوم على تنويع الشركاء وتعزيز الإنتاج المحلي.

لا يتعلق الأمر بانكماش ظرفي أو أزمة عابرة، بل بمسار انحداري بدأ منذ أكثر من عقد. فبينما كانت فرنسا المزوّد الأول للجزائر لعقود طويلة، فقدت هذا الموقع لصالح الصين منذ عام 2013، ليتسارع التراجع مع تصاعد التوترات السياسية، خاصة بعد اعتراف الرئيس إيمانويل ماكرون بسيادة المغرب المزعومة على الصحراء الغربية، ما فجّر غضبًا رسميًا وشعبيًا في الجزائر.

تبخّر أرقام التبادل التجاري: فرنسا تفقد 258 مليون يورو في 3 أشهر

في أحدث البيانات، كشفت الجمارك الفرنسية أن الصادرات نحو الجزائر انخفضت بنسبة 21% في الربع الأول من 2025 مقارنة بنفس الفترة من 2024، أي ما يعادل خسارة مباشرة بنحو 258 مليون يورو. حيث لم تتجاوز قيمة صادرات فرنسا نحو الجزائر في الأشهر الثلاثة الأولى من السنة 992 مليون يورو فقط، مقابل 1.25 مليار يورو العام الماضي.

وأكدت صحيفة لوفيغارو يوم 15 ماي 2025 أن “فرنسا باتت الخاسر الأكبر اقتصاديًا من تدهور علاقاتها مع الجزائر”. ويبدو أن هذا التراجع ليس نهاية المطاف، بل بداية لمنحنى نزولي مرشّح للتفاقم إن لم تُحل الأزمة السياسية بين الطرفين.

القمح الفرنسي.. من الاحتكار إلى التصفير الكامل

لطالما كانت فرنسا المورّد شبه الحصري للقمح نحو الجزائر، بتصدير بلغ 9 ملايين طن سنويًا في فترات سابقة. غير أن التحوّل الاستراتيجي الذي بدأه الديوان المهني الجزائري للحبوب في 2020 عبر تعديل دفتر الشروط فتح الباب أمام منافسين جدد من منطقة البحر الأسود وأمريكا اللاتينية.

وقال أحد المطلعين على الملف إن “دفتر الشروط كان مصممًا خصيصًا ليتماشى مع القمح الفرنسي”، لكن التعديلات التقنية أزاحت هذه الأفضلية. والنتيجة؟ صادرات القمح الفرنسي إلى الجزائر أصبحت تساوي صفر. كما صرّح ألان كايكار، المدير العام لمجمع Cérévia قائلًا:

“لا نتلقى أي رد على ملفاتنا”.

وبالتوازي، أطلقت الجزائر مشروعًا زراعيًا ضخمًا مع مجموعة Bonifiche Ferraresi الإيطالية في تيميمون بقيمة 400 مليون يورو، لإنتاج القمح الصلب والبقوليات، ضمن خطة طموحة لتحقيق الاكتفاء الذاتي بحلول 2025.

السيارات الفرنسية خارج الحلبة: الجزائر تغيّر قواعد اللعبة

في عام 2012، باعت شركتا رونو وبيجو قرابة 180 ألف سيارة في الجزائر. أما اليوم، فالوضع تغيّر بالكامل. لم يتم استيراد سوى 10 آلاف مركبة من فرنسا في 2024، وكلها من قبل أفراد، دون وسطاء رسميين أو تمثيل محلي.

رونو، التي كانت تدير مصنعًا في وادي تليلات – وهران، لم تحصل على ترخيص لإعادة تشغيله، رغم محاولاتها المتكررة. وكشف وزير الصناعة الأسبق فرحات آيت علي أن المشروع لم يكن سوى “استنزاف ممنهج للمال العام”، إذ لم تحقق الشركة سوى 4% نسبة إدماج صناعي رغم تعهدها بالوصول إلى 30% خلال خمس سنوات.

أما شركة ميشلان الفرنسية، فقد قررت هي الأخرى الانسحاب من السوق الجزائرية، بعد رفضها الانخراط في الإنتاج المحلي حسب ما تقتضيه قوانين الاستثمار الجزائرية الجديدة.

لحوم الأبقار ومنتجات الألبان.. السوق تنقلب على فرنسا

تعليق صادرات لحوم العجول من فرنسا إلى الجزائر جاء بمثابة “تجميد إداري صامت”، بحسب تعبير المربين الفرنسيين، الذين يواجهون خسائر فادحة في ظل تراكم آلاف العجول الجاهزة للتصدير، وتوقف حركة السلاسل التجارية القائمة منذ عقود.

صرّح فرانسوا شانتغون، المدير الإقليمي لتعاونية Sicarev Coop:

“الجزائر أرجعت القرار لأسباب صحية، لكن من الصعب تجاهل الخلفية السياسية في هذا التجميد المفاجئ”.

الأمر نفسه ينطبق على مسحوق الحليب. فبعد أن بلغت واردات الجزائر من الحليب الفرنسي المجفف نحو 266 مليون يورو في 2023، تراجعت بنسبة 25% في 2024. وضمن استراتيجية تنويع الشركاء، أعلنت أوغندا عن إرسال أول شحنة من الحليب المجفف بوزن 2000 طن، في إطار اتفاقية قد تصل قيمتها إلى 500 مليون دولار سنويًا.

تحليل راس المال: نهاية “العلاقة الخاصة” وبداية مرحلة شراكات متكافئة

ما نشهده ليس مجرد انعكاس لتوتر سياسي ظرفي، بل نتيجة مباشرة لتحوّل هيكلي في السياسة الاقتصادية الجزائرية. فالدولة اليوم تتبنى نموذجًا يقوم على:

  1. تنويع الشركاء التجاريين: الصين، تركيا، إيطاليا، قطر وأفريقيا جنوب الصحراء.
  2. تعزيز الإنتاج المحلي: خاصة في الزراعة والصناعة التحويلية.
  3. إعادة صياغة فلسفة الاستثمار: رفض الامتيازات غير المتوازنة، والمطالبة بنسب إدماج فعلية.
  4. استغلال النفوذ الاقتصادي كورقة سيادية: كما تجلّى في إقصاء الموردين الفرنسيين تدريجيًا.

المفارقة أن ما تراه باريس “قرارًا سياسيًا” تراه الجزائر “تصحيحًا اقتصاديًا” تأخر كثيرًا.

#الجزائر #فرنسا #اقتصاد #قمح #سيارات #استيراد #تصدير #رونو #ميشلان #بودرة_الحليب #السيادة_الغذائية #الشراكة_الاقتصادية #راس_المال

:شارك المقال

:شارك المقال

مقالات ذات صلة