تقلبات حادة في الاقتصاد العالمي بسبب الحرب على إيران
تتواصل تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في إحداث اضطرابات عميقة في الاقتصاد العالمي، حيث شهدت الأسواق المالية والطاقة خلال الأيام الماضية تقلبات حادة، دفعت العديد من الحكومات إلى اتخاذ إجراءات عاجلة للتعامل مع ارتفاع أسعار الوقود وتعطل سلاسل الإمداد.
وفي اليوم الحادي عشر من الحرب، تراجعت أسعار النفط بشكل ملحوظ إلى نحو 90 دولارًا للبرميل بعد أن كانت قد تجاوزت 119 دولارًا في ذروة التوترات، وذلك عقب تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب أشار فيها إلى أن الحرب قد تكون “اقتربت من نهايتها”.
ورغم هذا التراجع، لا تزال الأسواق العالمية تعيش حالة من القلق والترقب، في ظل استمرار المخاطر المرتبطة بإمدادات الطاقة وتعطل حركة الملاحة في أحد أهم الممرات البحرية في العالم، مضيق هرمز.
أزمة مضيق هرمز تهدد إمدادات الطاقة العالمية
أحد أبرز أسباب التقلبات الاقتصادية الحالية يتمثل في شبه توقف حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، الممر الذي يمر عبره نحو خمس إمدادات النفط العالمية.
وبحسب تقارير الشحن البحري، فإن مئات السفن والناقلات النفطية لا تزال متكدسة على جانبي المضيق بسبب المخاطر الأمنية الناتجة عن العمليات العسكرية.
هذا التعطل دفع شركات الطاقة إلى خفض الإنتاج أو إعادة ترتيب عملياتها اللوجستية، بينما حذرت شركات كبرى من أن استمرار إغلاق المضيق لفترة أطول قد يؤدي إلى أزمة طاقة عالمية واسعة النطاق.
اقرأ أيضًا: بريد الجزائر يعلن فتح المكاتب ليلاً خلال العشر الأواخر
صعود الذهب والفضة مع بحث المستثمرين عن الملاذات الآمنة
مع تصاعد التوترات الجيوسياسية، اتجه المستثمرون إلى الأصول الآمنة، ما أدى إلى ارتفاع أسعار المعادن الثمينة.
وسجل سعر الذهب ارتفاعًا بنحو 0.97% ليصل إلى 5186.97 دولارًا للأونصة، في حين صعدت الفضة بنسبة 2.7% لتبلغ 89.36 دولارًا للأونصة.

ويرجع هذا الصعود إلى عاملين رئيسيين:
- تراجع قيمة الدولار الأمريكي.
- المخاوف من تقلبات التضخم نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة.
ويعد الذهب تقليديًا أحد أبرز الملاذات الاستثمارية الآمنة خلال فترات الأزمات الاقتصادية والجيوسياسية.
اقرأ أيضًا: تحلية مياه البحر قد توفر 67% من مياه الشرب بالجزائر
إيران تقلّص حصة الوقود في طهران بعد استهداف مستودعات النفط
أعلنت السلطات الإيرانية عن خفض الحصة المسموح شراؤها من الوقود باستخدام البطاقة الشخصية في محطات العاصمة طهران، من 30 لتراً إلى 20 لتراً، وذلك بعد تعرض مستودعات نفطية في طهران ومحافظة البرز لهجمات أمريكية وإسرائيلية، ما أدى إلى نشوب حرائق ضخمة وغبار كثيف يغطي المدينة، وفقًا لوكالة الأناضول.
وأشار التلفزيون الرسمي إلى أن الحرائق تسببت في تساقط الرماد على المباني والمركبات، محذراً السكان من التعرض للتلوث الهوائي دون استخدام الكمامات. وفي الوقت نفسه، تواصل السلطات مراقبة الوضع لضمان استمرار الإمدادات الأساسية من الوقود رغم القيود الجديدة.
أسواق الأسهم تتعافى جزئيًا بعد خسائر الحرب
على الرغم من الصدمة الأولية التي تلقتها الأسواق المالية مع اندلاع الحرب، شهدت بعض المؤشرات العالمية تعافيًا جزئيًا مدعومة بتوقعات قرب انتهاء الصراع.
ومن أبرز المؤشرات التي سجلت ارتفاعًا:
- مؤشر ستوكس 600 الأوروبي
- مؤشر نيكاي الياباني
- مؤشر كوسبي الكوري الجنوبي
وجاء هذا الانتعاش بعد تراجع أسعار النفط وتحسن معنويات المستثمرين إثر تصريحات الإدارة الأمريكية بشأن إمكانية إنهاء العمليات العسكرية قريبًا.
إلا أن خبراء الاقتصاد يحذرون من أن التقلبات قد تستمر في حال عادت التوترات العسكرية أو تعطلت إمدادات الطاقة مجددًا.
ارتفاع أسعار الوقود عالميًا.. الحكومات تتحرك
تسببت الحرب في ارتفاع ملحوظ في أسعار الوقود عالميًا، ما دفع العديد من الدول إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لحماية اقتصاداتها.
ومن أبرز هذه الإجراءات:
مصر
رفعت الحكومة المصرية أسعار الوقود المحلية بنسبة وصلت إلى 30% نتيجة الضغوط العالمية على أسواق الطاقة.
الهند
فرضت قيودًا على استهلاك الغاز الطبيعي وغاز الطهي لضمان توفير الإمدادات للقطاعات الأساسية مثل المنازل ووسائل النقل.
فيتنام
حثت الشركات على العمل من المنزل في محاولة لتقليل استهلاك الوقود وسط اضطرابات الإمدادات.
تذبذب العملة الكورية الجنوبية لأعلى مستوى منذ جائحة كورونا
أظهرت بيانات اليوم الأحد أن العملة المحلية الكورية الجنوبية “الوون” شهدت تقلبات حادة مقابل الدولار الأمريكي، مسجلة أعلى مستوى منذ جائحة كورونا. يأتي ذلك في أعقاب الهجمات الأمريكية-الإسرائيلية المشتركة على إيران التي بدأت في 28 فبراير/شباط الماضي، حيث وصلت قيمة الوون أمام الدولار إلى 13.2 وون حتى يوم الجمعة الماضي.
ارتفاع أسواق الطاقة مع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط
أدى الصراع الأمريكي-الإسرائيلي ضد إيران إلى ارتفاع أسعار الفحم الحراري في أوروبا بنحو 20% منذ بداية الحرب، لتصل إلى 135 دولارًا للطن، وسط سعي الدول الأوروبية للبحث عن بدائل للغاز الطبيعي.
كما هددت الحرب على إيران الأمن الغذائي العالمي مع تعطّل تجارة الأسمدة، حيث تعتمد خمس دول خليجية (السعودية، قطر، الإمارات، إيران، والبحرين) على مضيق هرمز لتصدير حصص كبيرة من اليوريا والأمونيا والأسمدة الفوسفاتية. وتسبب توقف المضيق في ارتفاع أسعار اليوريا في مصر من 485 إلى 665 دولارًا للطن خلال أسبوع واحد.
تأثير الحرب على التجارة العالمية والصادرات
توسعت التداعيات الاقتصادية للحرب لتشمل صادرات المعادن والأسمدة والألومنيوم، مع تحول موانئ الخليج العربي إلى أهداف عسكرية وإغلاق مضيق هرمز.

وأظهر تحليل من بلومبيرغ إيكونوميكس أن نحو 7% من صادرات الأسمدة العالمية و6% من المعادن الثمينة و5.3% من الألومنيوم باتت معرضة للخطر، إضافة إلى الأسمنت والمعادن غير المعدنية الأخرى التي تمر عبر موانئ الخليج.
كما تراجعت الحجوزات اليومية لنقل الحاويات إلى الموانئ شرق مضيق هرمز بنسبة 81% خلال يومين، ما يعكس المخاطر المتصاعدة على سلاسل الإمداد العالمية.
تأثير الحرب على السياحة والنقل
عاد أكثر من 2000 سائح ألماني من منطقة الشرق الأوسط بعد تقطّع سبلهم بسبب إغلاق الطرق الجوية والبحرية، وفق وكالة الأنباء الألمانية. وأكد الرئيس التنفيذي لشركة “توي” أن الطائرات جاهزة، والعامل الحاسم هو وجود مطارات وممرات جوية آمنة.
في المقابل، أعلنت سلطة الطيران المدني العراقي تمديد إغلاق الأجواء العراقية لمدة 72 ساعة إضافية، مع إعادة تقييم القرار بشكل مستمر وفق المستجدات.
استمرارية أعمال الشركات النفطية رغم الحرب
أكدت مجموعة أدنوك الإماراتية استمرار أعمالها بشكل طبيعي، مع تطبيق إجراءات استجابة لضمان سلامة الموظفين والأصول التشغيلية. وتواصل فرق المبيعات والتجارة التواصل مع العملاء لضمان استمرارية الإمدادات إلى الأسواق العالمية، مستخدمة مسارات تصديرية بديلة ومرافق التخزين الدولية.
الأسواق المالية والغاز تتأثر بالحرب
في الأسبوع الأول للحرب الأمريكية والإسرائيلية على إيران، لم تشهد بورصات الخليج هبوطًا حادًا، لكنها شهدت إعادة تسعير واسعة للمخاطر، بينما دفعت أسواق آسيا وأوروبا ثمن ارتفاع أسعار النفط والغاز.
وأظهرت البيانات أن مؤشر كوسبي الكوري الجنوبي هبط بنسبة 10.56% في الأسبوع المنتهي في 6 مارس/آذار، في ظل مخاوف من تأثير الحرب على الاقتصاد المحلي.
في أوروبا، أدى ارتفاع أسعار الغاز إلى أعلى مستوى منذ عام 2023، حيث بلغ نحو 54.50 يورو للميغاوات/ساعة، وسط مخاوف من تعطل الملاحة في مضيق هرمز وتأثير روسيا على الإمدادات.
شركات الطيران تعيد تسعير التذاكر بسبب الوقود
لم تكن صناعة الطيران بعيدة عن تداعيات الأزمة، إذ بدأت العديد من شركات الطيران العالمية رفع أسعار التذاكر لتعويض الارتفاع الحاد في أسعار وقود الطائرات.

فقد قفز سعر وقود الطائرات من مستوى يتراوح بين 85 و90 دولارًا للبرميل قبل الحرب إلى ما بين 150 و200 دولار خلال الأيام الأخيرة.
وتشير التوقعات إلى احتمال ارتفاع أسعار الرحلات الجوية الدولية خلال الأشهر المقبلة إذا استمرت اضطرابات سوق الطاقة.
تأثيرات غير متوقعة على الصناعات العالمية
لم يقتصر تأثير الحرب على النفط والطاقة فحسب، بل امتد إلى قطاعات صناعية متعددة.
ومن أبرز هذه القطاعات:
- صناعة الأسمدة بسبب اضطراب تجارة الكبريت العالمية.
- الصناعات الكيماوية نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة.
- سلاسل الإمداد المعدنية المرتبطة بالصناعات الثقيلة.
ويعد الكبريت عنصرًا أساسيًا في إنتاج حمض الكبريتيك المستخدم في تصنيع الأسمدة الفوسفاتية، ما يجعل أي اضطراب في إنتاجه أو نقله مؤثرًا مباشرة في الأمن الغذائي العالمي.
اقرأ أيضًا: قانون المرور الجديد في الجزائر: أهم التعديلات التي كشفها سعيود
هل يقترب الاقتصاد العالمي من أزمة جديدة؟
على الرغم من تراجع أسعار النفط مؤخرًا، فإن العديد من المؤشرات الاقتصادية تشير إلى أن التداعيات الكاملة للحرب لم تظهر بعد.
فالأسواق العالمية لا تزال معرضة لعدة مخاطر، منها:
- اضطراب سلاسل الإمداد.
- ارتفاع تكاليف النقل والشحن.
- زيادة التضخم في الاقتصادات الكبرى.
- تباطؤ النمو العالمي.
ولهذا يحذر محللون اقتصاديون من أن استمرار التوتر في الشرق الأوسط قد يدفع الاقتصاد العالمي نحو موجة تضخم جديدة أو ركود اقتصادي محتمل
اقرأ أيضا : السيناريوهات المحتملة لأسواق الطاقة في حال استمرار غلق مضيق هرمز
#الخليج
#أسعار_النفط
#الاقتصاد_العالمي


