في خطوة تؤكد التحوّلات العميقة التي تعرفها التجارة الخارجية الجزائرية، سجّلت الواردات الجزائرية من الأرجنتين قفزة غير مسبوقة، بعدما تجاوزت حاجز 156 مليون دولار أمريكي خلال شهر أبريل 2025 وحده. هذا الرقم يمثّل نمواً استثنائياً بنسبة 125% مقارنةً بالشهر ذاته من العام الماضي، ويعكس بوضوح صعود الجزائر كسوق استراتيجية في خارطة الصادرات الزراعية لدول أمريكا اللاتينية.
تحوّل نوعي في المبادلات الثنائية
تزامن هذا الزخم في الصادرات الأرجنتينية مع تراجع حاد في واردات الأرجنتين من الجزائر بنسبة 94.2%، لتصل إلى أقل من 46.4 ألف دولار أمريكي فقط. هذا الاختلال الظاهر في الميزان التجاري لصالح بوينس آيرس لا يُخفي حقيقة أن الجزائر تواصل احتفاظها بمكانة محورية لدى المصدّرين الأرجنتينيين، حيث تحتل المرتبة العشرين كوجهة تصدير عالمية للأرجنتين.
وفي هذا السياق، يرى مراقبون أن الجزائر بصدد إعادة ترتيب أولويات تجارتها الخارجية، من خلال تركيز الاستيراد على المواد الأولية الحيوية، بالتوازي مع برامج دعم الإنتاج المحلي وتنمية الصناعات الوطنية.
الذرة وكسب الصويا في صدارة المنتجات
تشير التفاصيل إلى أن الذرة تصدّرت قائمة الواردات الجزائرية بقيمة قاربت 76.6 مليون دولار أمريكي، يليها كسب فول الصويا بـ 57.5 مليون دولار، ثم زيت فول الصويا بنحو 10 ملايين دولار. هذه المنتجات تمثل مكوّنات أساسية للصناعات الغذائية وإنتاج الأعلاف، في ظل تزايد الطلب الداخلي الناجم عن النمو الديموغرافي والتوسع الزراعي والصناعي.
وفي المقابل، سجّلت صادرات الجزائر نحو السوق الأرجنتينية انحصاراً واضحاً في بضعة سلع محدودة، أبرزها الفواكه الاستوائية وقطع غيار المحركات ومنتجات معدنية بسيطة، وهو ما يفسر الهبوط الكبير في إجمالي قيمة التدفقات التجارية الجزائرية نحو الأرجنتين هذا العام.
“نمو استثنائي في بعض الفئات”
يُظهر التحليل السنوي لنسب النمو أن بعض الفئات حققت قفزات غير مسبوقة:
- صادرات كسب فول الصويا: ارتفاع بـ 475% أي زيادة بـ47.5 مليون دولار خلال عام واحد فقط.
- الذرة: نمو بـ 87.9% بزيادة بلغت نحو 35.8 مليون دولار.
- زيت فول الصويا: تضاعف حجم التصدير بنسبة 100% مقارنة بالعام الماضي.
هذه الأرقام تكشف إلحاح الجزائر على تأمين سلاسل التوريد الزراعية لمواجهة تقلبات الأسواق العالمية وصدمات الإمدادات، خاصة في ظل الأزمات الجيوسياسية الأخيرة.
الفجوة الهيكلية بين اقتصادين متكاملين
رغم الشراكة التجارية المتنامية، يظل الفارق التنموي واضحاً بين البلدين. فقد بلغ الناتج المحلي الإجمالي للأرجنتين في 2023 نحو 646 مليار دولار بمتوسط دخل فردي يتجاوز 14.2 ألف دولار، مقابل ناتج جزائري قدره 248 مليار دولار ومتوسط دخل فردي بنحو 5.36 آلاف دولار.
مع ذلك، تسعى الجزائر إلى تقليص هذه الفجوة عبر تعميق تعقيدها الاقتصادي، حيث احتلت المرتبة 99 عالمياً بمؤشر تعقيد اقتصادي سالب (-0.75)، مقارنة بالأرجنتين التي جاءت في المرتبة 61 بمؤشر إيجابي (0.043).
“الجزائر سوق واعدة… ليست مجرد مستهلك”
في الوقت الذي قد يُقرأ فيه فائض الميزان التجاري لصالح الأرجنتين كاختلال بنيوي، تؤكد السلطات الجزائرية أن واردات المنتجات الزراعية لا تُعد عجزاً إنتاجياً، بقدر ما تعكس سياسة استراتيجية لاستيراد مواد أولية لدعم الأنشطة الإنتاجية المحلية.
هذه المقاربة تتكامل مع برنامج الرئيس عبد المجيد تبون الرامي إلى تحقيق الأمن الغذائي، وتنويع الاقتصاد وتقليص الاعتماد على المحروقات. وهو ما يفسر تصاعد اهتمام الشركات الأرجنتينية بالسوق الجزائرية عبر المشاركة في المعارض، وبحث فرص الشراكات في الأسمدة والطاقة المتجددة والصناعات الغذائية.
نحو توازن جديد في المبادلات
يبدو أن الجزائر بصدد إعادة صياغة معادلة تجارتها الخارجية، عبر توجيه استيرادها نحو ما يدعم تحولها الاقتصادي، بالتوازي مع فتح المجال أمام رفع صادراتها غير النفطية مستقبلاً.
ويرى خبراء التجارة الدولية أن تفعيل مشاريع الاستثمار المشترك في الأسمدة والصناعات الغذائية والطاقة المتجددة قد يساهم في استعادة التوازن التجاري ويمنح الجزائر ميزة تنافسية في أسواق أمريكا اللاتينية وإفريقيا معاً.
روابط جنوب – جنوب… ملامح اقتصاد عالمي جديد
في سياق تشكّل نظام اقتصادي عالمي أكثر تنوّعاً، تبرز الجزائر كشريك موثوق لدول الجنوب الطامحة إلى تطوير روابط بعيدة عن الأطر التقليدية للتجارة الدولية. وهو ما يؤهلها – بفضل موقعها الجغرافي وإصلاحاتها الاقتصادية – لأن تصبح مركز ثقل في التبادلات جنوب-جنوب خلال السنوات القادمة.
#الجزائر #الأرجنتين #تجارة_خارجية #الأمن_الغذائي #اقتصاد #استيراد_الذرة #استيراد_الصويا #تعقيد_اقتصادي #رأس_المال


