Algerian
Business
Platform

مقالات ذات صلة

تقرير: قفزة في أسعار الحديد عالميًا… فهل تنجح الجزائر في استثمار كنز غار جبيلات؟

تشهد أسواق خام الحديد العالمية هذه الأيام تحوّلات لافتة، مع تسجيل الأسعار قفزة جديدة دفعت بها إلى أعلى مستوياتها منذ شهرين، مدفوعة بمؤشرات قوية من الصين، التي تُعدّ اللاعب الأكبر في الطلب العالمي على المعدن الأساسي في صناعة الصلب. وتأتي هذه التطورات في وقت تحاول فيه الجزائر إبراز مشروعها العملاق “غار جبيلات” كورقة رابحة في خضم تغير موازين السوق العالمية.

الصين تُعيد ترتيب أولوياتها الصناعية… والأسعار تستجيب بسرعة ….ارتفع سعر خام الحديد، يوم الخميس الفارط ، بنسبة 1.3% في تعاملات الأسواق العالمية، متجاوزًا عتبة 100 دولار للطن للمرة الأولى منذ مايو الماضي. هذا التحول جاء مباشرة بعد تعهدات صينية واضحة بتقليص فائض الطاقة الإنتاجية الصناعية، خاصة في قطاعي الحديد والصلب، إلى جانب نيتها التخلص من القدرات الإنتاجية المتقادمة.

هذه التصريحات من بكين أعادت الثقة إلى المستثمرين والمضاربين في سوق الحديد، وسط تقديرات بأن تقليص الإنتاج المحلي سيرفع من وتيرة الطلب على خام الحديد المستورد، وبالتالي سينعكس إيجابًا على الأسعار في المدى القصير والمتوسط.

وفي سياق متصل، كشفت بيانات رسمية أن إنتاج الصين من الصلب خلال يونيو الماضي تراجع بنسبة 9.2% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، ليبلغ 83.2 مليون طن، وهو أدنى مستوى يسجله القطاع منذ عشرة أشهر. هذه البيانات تضيف عنصرًا آخر للضغط على العرض العالمي، ما قد يفتح الباب أمام دخول مزيد من الموردين إلى السوق.

.

غار جبيلات… من مشروع مؤجل إلى رافعة اقتصادية واعدة

في ظل هذا المشهد الدولي المتقلب، تجد الجزائر نفسها أمام فرصة استثنائية لتفعيل مشروعها الطموح في غار جبيلات، الواقع في ولاية تندوف، والذي يُعد من أكبر مكامن خام الحديد غير المستغلة عالميًا، باحتياطي يُقدّر بأكثر من 3.5 مليار طن.

المشروع، الذي دخل مرحلته التشغيلية الأولى مؤخرًا، يشكل حجر الزاوية في سياسة الجزائر لتنويع صادراتها خارج قطاع المحروقات، ويمثل في الوقت نفسه خطوة استراتيجية نحو إعادة تموضع البلاد ضمن خارطة الموارد المعدنية العالمية.

ومن خلال شراكات دولية مع دول كالصين والبرازيل ودول إفريقية، تعمل الجزائر على تطوير البنية التحتية اللازمة لنقل ومعالجة خام الحديد، بما في ذلك خطوط السكك الحديدية، وميناء المياه العميقة في وهران (أو بني صاف)، إضافة إلى مرافق المعالجة الأولية داخل البلاد.

من التصدير إلى التحويل: رؤية استراتيجية تتجاوز الظرفية

ورغم جاذبية التصدير المباشر للخام في ظل الأسعار المرتفعة، إلا أن الرؤية الجزائرية – حسب تصريحات رسمية – تتجه نحو بناء صناعة وطنية تحويلية في مجال الحديد والصلب، قادرة على إنتاج الفولاذ ومشتقاته، ما يعني قيمة مضافة أكبر، ومناصب شغل نوعية، وتقليصا كبيرًا في فاتورة الاستيراد، خاصة في قطاع الإنشاءات والصناعة الثقيلة.

ويُنتظر أن يُسهم المشروع، في حال استكمال تطويره بالشكل المخطط له، في تحقيق استقلال جزئي أو كلي في المواد الأولية اللازمة للعديد من الصناعات، كما قد يجعل من الجزائر محورًا للتصدير نحو دول إفريقيا جنوب الصحراء، مستفيدة من موقعها الجغرافي، واتفاقياتها التجارية القارية.

تحديات في الطريق… ولكن الزخم في صالح الجزائر

ورغم الآفاق الواعدة، فإن مشروع غار جبيلات لا يخلو من تحديات، أبرزها الطابع الجيولوجي المعقّد للخامات، وضرورة وجود وحدات معالجة متقدمة لفصل الفوسفور، إلى جانب تحديات لوجستية تتعلق بالبنية التحتية والنقل عبر مناطق شبه صحراوية.

لكن بالمقابل، فإن الزخم الحالي في السوق العالمية، وتغير مراكز الطلب والعرض، يضعان الجزائر في موقع تفاوضي مريح مع الشركاء الدوليين، ويفتحان الباب أمام تمويلات أجنبية محتملة، أو دخول مستثمرين استراتيجيين يرون في المشروع فرصة نادرة للولوج إلى سوق واعدة لم تُستغل بعد.

غار جبيلات ليس فقط مشروع تعدين… بل ورقة سيادية في زمن التحولات

في عالم تتغير فيه قواعد العرض والطلب بسرعة، وتحكمه حسابات جيو-اقتصادية معقدة، لم تعد المواد الأولية مجرد سلعة قابلة للتصدير، بل أصبحت جزءًا من أدوات السيادة والاستقلال الاقتصادي. وفي هذا السياق، قد لا تكون القفزة الأخيرة في أسعار خام الحديد مجرد ظرف عابر، بل مؤشرًا على مرحلة جديدة من التوازنات، قد تجد فيها الجزائر نفسها لاعبًا مؤثرًا… إن هي أحسنت استثمار “ورقتها الرابحة”.

:شارك المقال

:شارك المقال

مقالات ذات صلة