تدخل الجزائر عامها الأول من العهدة الرئاسية الثانية للرئيس عبد المجيد تبون، محمّلةً بجملة من الطموحات والرهانات الكبرى التي التزم بها منذ تسلمه مقاليد الحكم. وفي قلب هذا المشروع السياسي–الاقتصادي، تقف قضية تنويع الاقتصاد الوطني كأولوية محورية، تسعى الدولة من خلالها إلى التحرر التدريجي من التبعية التاريخية لعائدات المحروقات، وبناء نموذج تنموي جديد يرتكز على الزراعة، الصناعة، التكنولوجيا، والبنية التحتية الاستراتيجية.
بداية التحول.. من مرحلة التشخيص إلى مرحلة قطف الثمار
إذا كانت السنوات الأولى من حكم الرئيس تبون قد انصبت على إعادة ترتيب البيت الداخلي وإصلاح المؤسسات، فإن سنة 2024/2025 تُعد وفق توصيف الخبراء، بداية فعلية لـ”مرحلة قطف الثمار”. فقد شهدت البلاد انطلاق عدد من البرامج التحولية الكبرى التي تؤسس لمنظومة اقتصادية أكثر توازنًا واستدامة.

تحلية مياه البحر.. الأمن المائي في قلب السيادة
في مواجهة تحديات التغير المناخي وندرة المياه، راهنت الجزائر على خيار تحلية مياه البحر كحل استراتيجي. تم خلال عام واحد فقط إنجاز خمس محطات كبرى بقدرة إجمالية تصل إلى 1.5 مليون متر مكعب يوميًا، ودخول أربع منها حيّز الخدمة في الطارف، بومرداس، تيبازة ووهران، بينما يُرتقب تشغيل محطة بجاية قريبًا.
وتُعد هذه القفزة النوعية تأكيدًا على قدرة الكفاءات الوطنية على التحكم في تكنولوجيا متطورة، وخطوة جريئة نحو تحقيق الأمن المائي وتعزيز السيادة في مجال حيوي.
كما أعلن رئيس الجمهورية عن إطلاق ست محطات جديدة بداية من عام 2026، موزعة على ولايات سكيكدة، جيجل، تيزي وزو، الشلف، مستغانم وتلمسان، ما يضع الجزائر في موقع ريادي عربي وإفريقي في هذا المجال.

السكك الحديدية.. البنية التحتية كمحرّك للتنمية الصناعية
في رؤية تؤمن بأن لا اقتصاد من دون نقل فعّال، شرعت الجزائر في تنفيذ مشاريع استراتيجية لربط الجنوب الغني بالثروات المنجمية بشبكة السكك الحديدية الوطنية. وشكّل استلام مقطعي “تندوف – غارا جبيلات” و**”بشار – العبادلة”** بداية فعلية لتفعيل الخط المنجمي الغربي، مع تسارع الأشغال في باقي المحاور.
هذه المشاريع لا تُسهم فقط في تسهيل استغلال الموارد المعدنية، بل تعمل على فك العزلة عن مناطق الجنوب وتوسيع قاعدة التنمية خارج الشريط الساحلي.

النقل الجوي الداخلي.. نحو ربط عادل ومتوازن للجهات
استجابةً لشكاوى طويلة الأمد حول ضعف النقل الجوي الداخلي، قررت الدولة إنشاء شركة مستقلة لتسيير الرحلات الداخلية، أُطلقت أولى رحلاتها من الجزائر نحو تمنراست.
وباقتناء 16 طائرة من نوع ATR، ستتمكن الجزائر من تغطية أغلب ولاياتها وربط الشمال بالجنوب، في إطار مقاربة تنموية عادلة. وتحررت بذلك الخطوط الجوية الجزائرية من عبء النقل الداخلي، لتتفرغ للتنافس إقليميًا ودوليًا، وسط رؤية لتحويل البلاد إلى مركز ربط جوي بين أوروبا وإفريقيا.
الأمن الغذائي.. خطوات نوعية نحو الاكتفاء
حقق قطاع الزراعة قفزة تاريخية خلال الموسم الفلاحي 2024/2025، مع إعلان الجزائر تحقيق الاكتفاء الذاتي في القمح الصلب لأول مرة منذ الاستقلال، بفضل مردودية قياسية في ولايات الجنوب تجاوزت في بعض المناطق 80 قنطارًا للهكتار.
وفي سياق متصل، يوشك دخول مركب البذور الزيتية بجيجل حيز الخدمة، بطاقة سحق يومية تصل إلى 6000 طن من الصوجا، لتغطية 80% من حاجيات الأعلاف و25% من الزيوت النباتية محليًا. المشروع يعزز الأمن الغذائي ويدعم القطاع الصناعي العمومي من خلال مجمع “مدار”.
الجامعة والابتكار.. رافعة الاقتصاد الجديد
تأكيدًا على أهمية الرأسمال البشري، تم منح الجامعة الجزائرية دورًا استراتيجيًا في دعم الاقتصاد الوطني، من خلال تحفيز البحث العلمي، وتشجيع المؤسسات الناشئة، وتوفير بيئة ملائمة للابتكار.
وقد وفرت الدولة حزمة من التسهيلات المالية، والضريبية، والتنظيمية لفائدة الشباب والمبتكرين، بما يعزز الاقتصاد الرقمي ويُسهم في خلق الثروة ومناصب الشغل.
البعد القاري.. الجزائر شريك تكاملي لإفريقيا
امتدادًا لتحركاتها الداخلية، عملت الجزائر على ترسيخ حضورها الاقتصادي القاري، وكان أبرز محطاته احتضان معرض التجارة البينية الإفريقية (IATF 2025)، الذي جمع آلاف الفاعلين الاقتصاديين من مختلف أنحاء القارة.
هذا الحدث لم يكن فقط معرضًا، بل منصة لبناء شراكات استراتيجية، وترسيخ صورة الجزائر كقاطرة للتكامل الإفريقي، وجسر حيوي يربط القارة بالأسواق الأوروبية والآسيوية.
نظرة إلى الأمام.. التحديات والآفاق
ورغم هذه الإنجازات المهمة، فإن الطريق نحو اقتصاد جزائري متنوع ومستدام ما يزال يتطلب مواصلة الجهود. يبقى الاكتفاء الذاتي في القمح اللين تحديًا رئيسيًا، إلى جانب ضرورة تحسين مناخ الاستثمار، وتوسيع صادرات المنتجات غير النفطية، وضمان الحوكمة الرشيدة لمواكبة التحولات.

الجزائر تبني مستقبلها بثقة
بعد عام واحد من انطلاق العهدة الثانية، تظهر المؤشرات أن الجزائر تسير بخطى ثابتة نحو بناء نموذج اقتصادي جديد قائم على التنوع والاستقلالية، في ظل رؤية سياسية واضحة توازن بين الداخل والانفتاح القاري.
إنها بداية مرحلة جديدة، وصفها الرئيس تبون بـ”مرحلة الجزائر المنتصرة”، حيث تُستعاد الثقة، وتُستثمر القدرات الوطنية، وتُصاغ ملامح دولة حديثة، تمتلك قرارها، وتؤمن بأن الحاضر هو أساس المستقبل.


