في اليوم الوطني للفنان، تتعالى الخطب، وتُرفع الصور، وتُستعاد أسماء الرواد الذين عبروا الزمن بأعمالهم، فيما تتكرر الأسئلة ذاتها التي لم تعد تبحث عن أجوبة بقدر ما تبحث عن شجاعة طرحها.
ما معنى أن نحتفي بالفنان؟
وهل يكفي أن نكرّم المبدع إذا كانت البيئة التي يُفترض أن تحتضن إبداعه ما تزال أسيرة تصورات قديمة ترى في الثقافة بندًا للإنفاق أكثر مما تراها قطاعًا للإنتاج؟
لقد حسمت الدولة خيارها.
فقد أكد رئيس الجمهورية، في أكثر من مناسبة، أن الثقافة ليست ترفًا، وليست نشاطًا هامشيًا يُضاف إلى هوامش التنمية، بل هي أحد روافعها الأساسية. وجمع الفاعلين الثقافيين، وأعاد التأكيد على التزام الدولة بتنظيم القطاع وتأطيره ومرافقته وتمويل نهضته.
غير أن تمويل النهضة شيء، وتمويل التبعية شيء آخر.
فالدولة تستطيع أن تفتح الأبواب، لكنها لا تستطيع أن تعبرها بدلًا عن الجميع.
تستطيع أن تضع القوانين، لكنها لا تستطيع أن تكتب الرواية.
وتستطيع أن تبني المسارح، لكنها لا تستطيع أن تصعد الخشبة بدلًا عن الفنان.
وتستطيع أن تدعم الإنتاج، لكنها لا تستطيع أن تحل محل المنتج الذي يخاطر، أو المستثمر الذي يؤمن بالفكرة، أو الجمهور الذي يمنح العمل شرعيته الأخيرة.
هنا يبدأ السؤال الحقيقي.
إذا كانت الدولة قد أعلنت إرادتها في الانتقال من ثقافة الدعم إلى دعم الثقافة، فمن الذي يؤخر هذا الانتقال؟
هل هي مقاومة المصالح؟
ربما.
هل هي مقاومة العقليات؟
بالتأكيد.
فهناك من ما يزال يختزل الثقافة في لجنة، والفن في ملف، والإبداع في ختم إداري، والنجاح في عدد المراسلات المتبادلة بين المكاتب.
أجيال كاملة من الإداريين تربت على فكرة أن الثقافة تُراقب أكثر مما تُحرر، وأن المبدع يُوجَّه أكثر مما يُمكَّن، وأن المؤسسة الثقافية وُجدت لتدير الإجراءات لا لتصنع الأثر.
غادر الآباء المؤسسون لهذه العقليات مواقعهم منذ سنوات، لكن أبناءهم الفكريين ما زالوا يجلسون في الممرات نفسها، يبدلون أسماء البرامج ويحتفظون بالمنطق ذاته.
يتحدثون عن الاقتصاد الثقافي بلغة المحاضر الإدارية.
ويتحدثون عن الصناعات الإبداعية بعقلية الحارس على الأرشيف.
ويحتفلون بالابتكار وهم يخشون كل مبادرة لا تمر عبر المسار التقليدي الطويل.
لكن المفارقة الكبرى لا تقف عند الإدارة وحدها.
فبعض الفنانين أنفسهم وقعوا أسرى لهذا النموذج.
لقد تحوّل الدعم، عند بعضهم، من وسيلة إلى غاية.
وأصبحت الإعانة مشروعًا، بدل أن تكون وسيلة لإنجاز المشروع.
وبات بعض المبدعين ينتظرون الموسم الثقافي كما ينتظر الموظف موعد الأجر.
فإذا تأخر التمويل تأخر الإبداع.
وإذا غابت الإعانة غابت المبادرة.
وكأن الخيال لا يكتب إلا بأمرٍ بالصرف.
إنها مفارقة موجعة.
فالفنان الذي خُلق ليكون طائرًا حرًّا، قد يتحول أحيانًا إلى موظف موسمي في إدارة الريع الثقافي.
والإبداع الذي وُجد ليكسر الحدود، يصبح أسيرًا لحدود الملف الإداري.
غير أن العالم لم يعد ينتظر المترددين.
فالصناعات الثقافية والإبداعية أصبحت من أسرع القطاعات نموًا على مستوى العالم، وتولد ما يفوق ألفي مليار دولار سنويًا، وتوفر عشرات الملايين من مناصب العمل، وتستقطب الشباب أكثر من كثير من القطاعات التقليدية.
لقد أصبحت الأغنية صناعة.
والفيلم صناعة.
والكتاب صناعة.
والألعاب الإلكترونية صناعة.
وحتى الحكاية أصبحت صناعة.
أما الدول الذكية فقد فهمت أن النفوذ الثقافي يسبق النفوذ الاقتصادي.
هوليوود لم تكن مجرد استوديوهات.
بل كانت مصنعًا للصورة الأمريكية.
والدراما التركية لم تكن مجرد ترفيه.
بل كانت جواز سفر ناعمًا للنفوذ التركي.
والموجة الكورية لم تكن مجرد موسيقى.
بل مشروعًا وطنيًا أعاد رسم صورة كوريا الجنوبية في العالم.
الثقافة اليوم ليست مجرد تعبير جمالي.
إنها قوة اقتصادية.
وأداة دبلوماسية.
وسلاح ناعم.
وعلامة وطنية.
إنها استثمار في الصورة كما هي استثمار في السوق.
والجزائر لا تفتقر إلى المادة الخام.
فهي تمتلك تاريخًا يمتد عبر آلاف السنين.
وتمتلك تراثًا حضاريًا وإنسانيًا استثنائيًا.
وتمتلك تنوعًا ثقافيًا ولغويًا نادرًا.
وتمتلك شبابًا مبدعًا قادرًا على المنافسة عالميًا إذا وجد البيئة المناسبة.
ما ينقصنا ليس الموهبة.
وليس الإرادة السياسية.
وإنما أحيانًا الشجاعة الجماعية للانتقال من ثقافة التوزيع إلى ثقافة الإنتاج.
ومن منطق الإعانة إلى منطق القيمة.
ومن عقلية التسيير إلى عقلية الاستثمار.
فالمستقبل لن يكون لمن يطلب المزيد من الميزانيات فقط.
بل لمن يحول كل دينار يُنفق على الثقافة إلى ثروة، وإلى وظيفة، وإلى مؤسسة، وإلى منتج قابل للتصدير، وإلى صورة إيجابية للجزائر في العالم.
عندها فقط سيتحرر الفن من البيروقراطية.
وسيتحرر الفنان من الريع.
وسيتحرر الخيال من الانتظار.
وعندها لن نحتفل بالفنان لأنه يتلقى الدعم.
بل لأنه يصنع القيمة.
ولن نحتفل بالثقافة لأنها تستهلك الميزانية.
بل لأنها تنتج الثروة والمعنى والنفوذ.
ذلك هو التحدي الحقيقي.
وذلك هو الأفق الذي يليق بجزائر تريد أن تكون قوة ثقافية كما هي قوة تاريخية.
فالأمم لا تُعرف فقط بما تملك من ثروات تحت الأرض، بل أيضًا بما تُبدعه فوقها.


