بعد سنوات من خطط الإنقاذ ومئات الملايين من الدولارات، يعود مركب الحجار إلى واجهة الاستراتيجية الصناعية الجزائرية، هذه المرة عبر مفاوضات مع العملاق الصيني «باوستيل». لكن السؤال الحقيقي لم يعد: كم ستستثمر الجزائر؟ بل: كيف تضمن أن يتحول الاستثمار إلى إنتاج مستدام؟
عاد مركب الحجار للحديد والصلب بعنابة إلى قلب النقاش الصناعي في الجزائر، مع دخول المفاوضات مع مجموعة China Baowu Steel Group مرحلة أكثر تنظيمًا، في محاولة جديدة لإعادة بعث أحد أقدم وأهم الأقطاب الصناعية في البلاد.
وخلال اجتماعين عُقدا يومي 10 و12 أوت 2026، ناقش وزير الصناعة يحيى بشير مع ممثلي المجموعة الصينية برنامج عمل يتضمن اجتماعات تقنية، وزيارة للمركب، ومشاورات مع قطاعات المناجم والطاقة والمحروقات.
ومن المنتظر أن تقدم المجموعة الصينية، قبل نهاية سبتمبر المقبل، تصورًا تكنولوجيًا نهائيًا، ومشروع مذكرة تفاهم، إلى جانب خارطة طريق للمشروع. غير أن الملف، وفق المعطيات المتاحة، لا يزال في مرحلة المشاورات ولم يصل بعد إلى توقيع عقد استثماري نهائي.

الحجار.. سنوات من خطط الإنقاذ
منذ استرجاع الدولة الجزائرية للمركب بعد خروج أرسيلور ميتال، ظل الحجار أمام معادلة صعبة: منشأة صناعية ضخمة، تجهيزات متقادمة، احتياجات متكررة للصيانة، وتكاليف كبيرة لإعادة الإنتاج إلى مستويات مستقرة.
وقد رافقت هذه المرحلة عدة برامج لإعادة التأهيل.
أحد البرامج الأولى قدرت قيمته بنحو 430 مليون دولار، وركز على وحدات أساسية من بينها مصنع التلبيد، والفرن العالي رقم 2، ومصنع الصلب بالأكسجين، ومحطة الأكسجين، إلى جانب تجهيزات الطاقة واللوجستيك. كما ترد تقديرات أخرى تتراوح بين 600 و720 مليون دولار، بحسب نطاق كل برنامج ومرحلة احتساب التمويل.
لكن المشكلة لم تكن دائمًا في حجم الأموال المرصودة، بل في السؤال الأكثر صعوبة: ما الذي تحول فعليًا من هذه الأموال إلى قدرة إنتاجية مستقرة؟
80 مليار دينار.. ثم 500 مليون دولار
في 2021، أعلنت السلطات عن خطة نمو جديدة للمركب بقيمة تقارب 80 مليار دينار، موزعة على شطرين بقيمة 34 و46 مليار دينار، بهدف تحديث مصانع الصلب والدرفلة ووحدات الدعم.
ورغم ذلك، ظلت مشاكل التوقفات التقنية والإمداد وتقادم التجهيزات حاضرة.
وفي 2024، أُعلن عن خطة تطوير جديدة بحوالي 500 مليون دولار، مع سيناريو أكثر طموحًا قد تصل استثماراته إلى 2.5 مليار دولار، مقابل هدف إنتاجي في حدود 2.5 مليون طن سنويًا.
وهنا تظهر إحدى أهم مشكلات ملف الحجار: تعدد الخطط أكبر من وضوح النتائج القابلة للقياس.
فالتمييز بين الأموال المعلنة، والأموال التي تم ضخها فعلًا، والتجهيزات التي تم استلامها، والوحدات التي دخلت الخدمة، والإنتاج الذي تحقق، يبقى ضروريًا للحكم على جدوى كل برنامج.
من إعادة تشغيل الحجار إلى إعادة بناء المنظومة
المرحلة الحالية تبدو مختلفة نسبيًا.
فالاستراتيجية المطروحة عبر شركة ALSOLB لا تقتصر على إعادة تشغيل المعدات القديمة، وإنما تتجه نحو بناء سلسلة صناعية أكثر تكاملًا، بقدرة مستهدفة في حدود 3 ملايين طن سنويًا.
وتتضمن المرحلة الانتقالية الاعتماد على المنتجات نصف المصنعة، واستغلال تجهيزات موجهة لإنتاج حديد الخرسانة المسلحة، بهدف خلق تدفقات مالية تساعد على تمويل التحول الأعمق للمركب.
كما يرتبط التصور الجديد باستغلال خامات الحديد من الونزة وبوخضرة، وتثمين خامات غار جبيلات، وربط الإنتاج باحتياجات السوق الوطنية والأسواق الخارجية.
وهذا التحول مهم لأنه ينقل السؤال من “كيف نعيد تشغيل الحجار؟” إلى “كيف نبني منظومة حديد وصلب تنافسية انطلاقًا من الموارد الجزائرية؟”
لماذا China Baowu؟
دخول العملاق الصيني China Baowu إلى المشاورات يفتح احتمالًا جديدًا أمام المركب.
فالمجموعة تمتلك خبرة في تقنيات صناعة الحديد والصلب الحديثة، والرقمنة الصناعية، والاختزال المباشر للحديد، وإنتاج الحديد المختزل والحديد المكور الساخن، إضافة إلى تقنيات مرتبطة بخفض البصمة الكربونية.
وتتجه المباحثات إلى دراسة منظومة متكاملة تبدأ من تثمين الخام ومعالجته، مرورًا بإنتاج الحديد والصلب، وصولًا إلى تطوير منتجات ذات قيمة مضافة أكبر، مع بحث إمكانية توظيف الهيدروجين الأخضر في المنظومة الصناعية.
لكن التفاؤل يحتاج إلى قدر من الحذر.
فحتى الآن، لا توجد أرقام معلنة حول حجم الاستثمار، ولا تفاصيل نهائية بشأن التركيبة المالية، أو توزيع رأس المال، أو الجدول الزمني لإنجاز المشروع.

الحجار أمام اختبار غار جبيلات
قد يكون التطور الأكثر أهمية في المشروع هو إمكانية دمج الحجار ضمن سلسلة أوسع تبدأ من المناجم ولا تنتهي عند مصانع الصلب.
فالجزائر لا تريد فقط إنتاج الحديد، وإنما تسعى إلى ربط خامات غار جبيلات بسلسلة تحويل صناعية محلية قادرة على خلق قيمة مضافة، وتقليص الاعتماد على استيراد بعض المنتجات، وفتح الباب أمام التصدير.
وهنا تصبح العلاقة بين المناجم والحديد والصلب والطاقة والنقل أكثر أهمية من أي وقت مضى.
إذا نجحت هذه الحلقة، فإن الحجار لن يكون مجرد مصنع تتم محاولة إنقاذه من جديد، بل يمكن أن يتحول إلى جزء من منظومة صناعية جزائرية متكاملة.
Tosyali وAQS.. المنافسة تكشف المشكلة
المفارقة أن الجزائر أثبتت خلال السنوات الأخيرة قدرتها على تطوير مشاريع حديد وصلب كبيرة خارج الحجار.
فمجمع Tosyali في وهران طور منصة متكاملة تشمل الاختزال المباشر وإنتاج الصلب والدرفلة، فيما يمثل مركب AQS في بلارة نموذجًا آخر لاستثمار صناعي كبير بطاقة إنتاجية مهمة.
وهذا يجعل مقارنة الحجار بهذه المشاريع ضرورية.
المشكلة إذن ليست في غياب السوق أو الموارد أو الغاز أو خام الحديد أو حتى المستثمرين.
المشكلة تكمن في كيفية تحويل هذه العناصر إلى نموذج صناعي مستدام، بتكاليف تنافسية وإدارة فعالة وإنتاج منتظم.

منطق الإنقاذ لم يعد كافيًا
ربما تكون هذه هي النقطة الأهم في قصة الحجار.
لم يعد بإمكان الجزائر الاكتفاء بالإعلان عن خطة جديدة كل بضع سنوات، ثم انتظار نتائج لا تأتي بالسرعة المطلوبة.
المطلوب اليوم هو لوحة قيادة واضحة ومعلنة تقيس:
- القدرة الإنتاجية المركبة والمستخدمة فعليًا.
- حجم الإنتاج السنوي حسب نوع المنتج.
- تكلفة إنتاج الطن.
- حجم التمويل العمومي والدعم.
- رقم الأعمال والنتيجة التشغيلية.
- حجم الصادرات.
- عدد العمال وتطور الإنتاجية.
- استهلاك الطاقة والانبعاثات.
- نسبة تقدم المشاريع ومواعيد دخولها الخدمة.
فالاستثمار الحقيقي لا يقاس بحجم المبلغ المعلن، وإنما بما ينتجه هذا المبلغ على أرض الواقع.
الحجار أمام معركة الجيل الجديد من الصلب
العالم لا ينتظر الحجار.
صناعة الحديد والصلب نفسها تتغير بسرعة، مع توسع تقنيات الاختزال المباشر، والأفران الكهربائية، واستخدام الخردة، والبحث عن الهيدروجين كوقود ومادة اختزال أقل انبعاثًا.
كما تتزايد أهمية أنواع الصلب ذات القيمة المضافة والموجهة إلى قطاعات مثل السيارات والطاقة والهيدروكربونات والصناعات المتقدمة.
وهذا يعني أن إعادة تشغيل فرن قديم ليست هدفًا كافيًا.
الحجار يحتاج إلى أن يصبح مصنعًا ينافس في المستقبل، لا أن يعود فقط إلى إنتاج الماضي.

هل تكون الصين بداية الفصل الأخير؟
الفرصة التي تفتحها مفاوضات China Baowu قد تكون مهمة، لكنها ليست عصا سحرية.
فالشريك الأجنبي يستطيع أن يوفر التكنولوجيا والخبرة، وربما التمويل والشبكات الصناعية، لكنه لن يحل وحده مشاكل الحوكمة، والصيانة، والإدارة، وتكلفة الإنتاج، واستقرار التموين.
لذلك فإن نجاح المشروع سيقاس بمدى قدرة الجزائر على بناء شراكة واضحة الأهداف والمسؤوليات والآجال، لا بمجرد توقيع مذكرة تفاهم جديدة.
وتقدم تجربة Tosyali وAQS نموذجًا لما يمكن تحقيقه عندما يجتمع التمويل مع التكنولوجيا والسوق والحوكمة الصناعية، بينما تذكر تجربة مشاريع أخرى بأن الإعلان عن شراكة لا يعني بالضرورة وصولها إلى المصنع والإنتاج.
الحجار لا يحتاج إلى خطة إنقاذ جديدة بقدر ما يحتاج إلى نموذج صناعي جديد.
فبعد سنوات من المليارات والتوقفات وإعادة التأهيل، أصبح الاختبار الحقيقي واضحًا: هل تستطيع الجزائر تحويل هذا الإرث الصناعي الثقيل إلى قطب حديث، مرتبط بغار جبيلات، ومستفيد من الطاقة الجزائرية، ومندمج في سلاسل القيمة الجديدة للصلب؟
إذا نجحت، فلن يكون الحجار مجرد مصنع عاد إلى العمل.
سيكون الحجار أحد رموز انتقال الجزائر من إنقاذ الصناعة إلى بناء صناعة قادرة على المنافسة.




