تفتح الجزائر نافذة جديدة نحو سوق الغاز في أوروبا الوسطى، مع دخول شركة الغاز السلوفاكية الحكومية SPP في مباحثات مع شركة سوناطراك لبحث إمكانية التزود بالغاز الجزائري، في خطوة تعكس اتساع دائرة الاهتمام الأوروبي بالغاز الجزائري كمصدر إمداد محتمل.
وتأتي هذه المباحثات في وقت تعمل فيه براتيسلافا على إعادة ترتيب منظومة وارداتها من الغاز، وتقليص اعتمادها على الإمدادات الروسية، ما يمنح سوناطراك فرصة لتوسيع حضورها خارج أسواق جنوب وغرب أوروبا باتجاه أسواق جديدة في وسط القارة.
سوناطراك وSPP على طاولة التفاوض
تجري المحادثات بالتزامن مع الزيارة الرسمية التي يؤديها وزير الخارجية والشؤون الأوروبية السلوفاكي يوراي بلانار إلى الجزائر يومي 8 و9 سبتمبر 2026، ضمن وفد يضم ممثلين عن شركة Slovenský plynárenský priemysel (SPP).
وتكتسي مشاركة الشركة السلوفاكية أهمية خاصة، باعتبارها من أبرز الفاعلين في سوق الغاز المحلية، إذ تؤمّن قرابة ثلثي احتياجات السوق السلوفاكية.
وبحسب المعطيات المتاحة، يبحث ممثلو SPP مع سوناطراك إمكانية الحصول على الغاز الجزائري مستقبلًا، غير أن المباحثات لم تتحول بعد إلى عقد توريد نهائي.
فلم يتم الإعلان حتى الآن عن حجم الكميات أو مدة العقد أو آلية التسعير أو نقطة التسليم أو المسار اللوجستي الذي ستسلكه الإمدادات.
إقرأ أيضا: النفط يقترب من 100 دولار.. وبنك أمريكا يحذر من سيناريو 150 دولارًا

سلوفاكيا تبحث عن بدائل للغاز الروسي
تستهلك سلوفاكيا نحو 4.5 مليارات متر مكعب من الغاز سنويًا، وكانت تعتمد تاريخيًا على روسيا لتغطية جزء كبير من احتياجاتها، بنحو 3 مليارات متر مكعب سنويًا.
وتواجه براتيسلافا تحديًا إضافيًا يتمثل في كونها دولة حبيسة لا تملك منافذ بحرية لاستقبال الغاز الطبيعي المسال، كما لا ترتبط مباشرة بشبكة الغاز الجزائرية.
وهذا يعني أن أي اتفاق محتمل مع سوناطراك لن يقتصر على تحديد السعر والكميات، بل سيتطلب أيضًا ترتيبات معقدة لنقل الغاز عبر شبكات أوروبية متعددة، وحجز قدرات العبور وتحديد نقطة التسليم داخل المنظومة الأوروبية.
نهاية المسار الأوكراني تعيد رسم خريطة الإمدادات
ازدادت حاجة سلوفاكيا إلى تنويع مصادرها بعد توقف عبور الغاز الروسي عبر الأراضي الأوكرانية في 31 ديسمبر 2024، ما أدى إلى فقدانها أحد أهم المسارات التي كانت تعتمد عليها للحصول على الإمدادات الروسية.
ومنذ ذلك الحين، اتجهت براتيسلافا بصورة أكبر نحو المسار الجنوبي عبر ترك ستريم وتركيا والبلقان والمجر.
غير أن هذا المسار لا يوفر حلًا طويل الأمد بالنسبة إلى سلوفاكيا، خصوصًا في ظل توجه الاتحاد الأوروبي نحو التخلص التدريجي من واردات الغاز الروسي.
وفي هذا السياق، تلقت SPP نحو 20 عرضًا لتوريد الغاز غير الروسي لما بعد 2027، مع دراسة مسارات إمداد تمر عبر ألمانيا وإيطاليا وبولندا، ما يضع سوناطراك أمام منافسة تضم موردين من النرويج والولايات المتحدة وقطر وأذربيجان وغيرها.
الجزائر تملك أوراقًا مهمة في المنافسة
تدخل الجزائر هذا السباق التجاري بعدة عوامل قوة، أبرزها موقعها الجغرافي القريب من السوق الأوروبية، وامتلاكها بنية تصدير تجمع بين الغاز المنقول عبر الأنابيب والغاز الطبيعي المسال، إلى جانب خبرة طويلة في إبرام وتنفيذ عقود الغاز مع الزبائن الأوروبيين.
كما أن تعدد خيارات التصدير يمنح سوناطراك هامشًا أكبر في التعامل مع احتياجات الأسواق الأوروبية، سواء من خلال التدفقات عبر الأنابيب أو الشحنات المرنة من الغاز الطبيعي المسال.
لكن العامل الحاسم بالنسبة إلى SPP سيبقى التكلفة النهائية للغاز عند وصوله إلى السوق السلوفاكية، وليس سعر الغاز عند نقطة التصدير فقط.
كيف يمكن أن يصل الغاز الجزائري إلى سلوفاكيا؟
غياب خط أنابيب مباشر بين الجزائر وسلوفاكيا لا يعني استحالة وصول الغاز الجزائري إلى السوق السلوفاكية، إذ يمكن الاستفادة من تكامل شبكة الغاز الأوروبية.
أحد المسارات المحتملة يتمثل في نقل الغاز الجزائري عبر أنبوب ترانسميد إلى إيطاليا، ثم الاستفادة من شبكات النقل الأوروبية باتجاه النمسا وصولًا إلى سلوفاكيا.
كما يمكن الاعتماد على الغاز الطبيعي المسال المنتج في أرزيو وسكيكدة، وتوجيه الشحنات إلى محطات إعادة التغويز في عدد من الدول الأوروبية، قبل ضخها في الشبكات المرتبطة بالسوق السلوفاكية.
وهناك أيضًا خيار المبادلة التجارية للغاز، بحيث تسلم سوناطراك كميات إلى نقطة أو مشترٍ أوروبي، مقابل حصول SPP على كميات مكافئة من مورد آخر داخل شبكة وسط أوروبا.
وبالتالي، فإن نجاح أي صيغة لن يتوقف على توافر الغاز الجزائري فحسب، بل كذلك على كلفة النقل، وحجز السعات، ونقطة التسليم، ومرونة العقد.
إقرأ أيضا: الجزائر وأذربيجان تعززان الشراكة الطاقوية.. سوناطراك وSOCAR في الواجهة
من جنوب أوروبا إلى قلب القارة
تأتي المباحثات مع SPP في سياق أوسع لتوسيع الحضور التجاري للغاز الجزائري داخل القارة الأوروبية.
فبعد الأسواق التقليدية في جنوب أوروبا، بدأت سوناطراك في توسيع علاقاتها نحو أسواق وسط وشمال القارة، وهو ما تعكسه أيضًا صفقة توريد الغاز التي أبرمتها مع الشركة الألمانية VNG في يوليو 2026.
وتمنح هذه التحركات الجزائر فرصة لتنويع قاعدة زبائنها الأوروبيين، بما يقلل من الاعتماد على عدد محدود من الأسواق، ويوسع هامش المناورة في إدارة صادرات الغاز وإعادة توجيه الكميات وفق تطورات الطلب الأوروبي.
كما أن دخول أسواق جديدة في وسط أوروبا يمكن أن يعزز موقع سوناطراك داخل منظومة أمن الطاقة الأوروبية، خصوصًا مع استمرار القارة في إعادة تشكيل خريطة مورديها.
2027.. عام مفصلي في حسابات الغاز السلوفاكي
تكتسب المفاوضات أهمية إضافية مع اقتراب المواعيد الأوروبية المتعلقة بالتخلص التدريجي من الغاز الروسي.
وتضع هذه التطورات سلوفاكيا أمام ضرورة إعادة بناء محفظة مورديها ومسارات النقل قبل انتهاء الفترات الانتقالية، وهو ما يجعل البحث عن موردين جدد مسألة تتجاوز الصفقات الظرفية إلى بناء علاقات توريد أكثر استقرارًا.
وبالنسبة إلى الجزائر، يمكن أن تمثل هذه المرحلة فرصة لتعزيز وجودها في سوق أوروبا الوسطى، شريطة أن تتمكن سوناطراك من تقديم صيغة تجارية قادرة على المنافسة من حيث السعر والمرونة وضمان الإمدادات.
زيادة الصادرات مرتبطة بزيادة الإنتاج
رغم الفرص التي تفتحها السوق الأوروبية، فإن توسيع قاعدة الزبائن يفرض تحديًا آخر على الجزائر يتمثل في توفير كميات إضافية دون التأثير على تلبية الطلب الوطني والالتزامات الحالية مع الشركاء.
فالتوسع المستدام في الصادرات يحتاج إلى رفع الإنتاج، تطوير الحقول، تحسين معدلات الاسترجاع، وتعزيز كفاءة منشآت المعالجة والتسييل.
كما يمكن لتحسين الكفاءة التشغيلية وتقليص الغاز المحروق وتقليل التوقفات أن يوفر كميات إضافية قابلة للتسويق.
وفي هذا الإطار، تواصل الجزائر جهودها لجذب الاستثمارات في قطاع المحروقات وتطوير الاحتياطات والإنتاج، بما يدعم قدرتها على الاستجابة للطلب المحلي والخارجي في آن واحد.
إقرأ أيضا: الجزائر والهند.. شراكة منجمية تتجه من التعاون إلى نقل التكنولوجيا
من صفقة غاز إلى شراكة اقتصادية؟
ولا تقتصر أهمية التقارب الجزائري-السلوفاكي على قطاع الطاقة وحده.
فالتحركات الحالية تتزامن مع إعادة تنشيط العلاقات الثنائية وفتح المجال أمام تعاون اقتصادي أوسع، بما قد يسمح بتحويل الطاقة إلى مدخل لشراكات جديدة في الصناعة والمناولة والتكنولوجيا والاستثمار.
وتملك سلوفاكيا خبرة مهمة في صناعات السيارات والمكونات الميكانيكية والإلكترونية والمعدات الصناعية، بينما توفر الجزائر سوقًا كبيرة وموقعًا يمكن أن يكون قاعدة للتوسع نحو شمال إفريقيا.
وعليه، فإن أي اتفاق غاز مستقبلي بين سوناطراك وSPP قد يكون أكثر من مجرد عقد تجاري، إذا ما ترافق مع تدفق استثمارات وشراكات صناعية بين البلدين.
الجزائر أمام فرصة لتوسيع خريطة الغاز في أوروبا
لا تزال المحادثات بين سوناطراك وSPP في مرحلة بحث إمكانية التزود بالغاز الجزائري، وبالتالي فإن الحديث عن عقد نهائي أو كميات محددة يبقى سابقًا لأوانه.
لكن مجرد دخول الغاز الجزائري ضمن خيارات أكبر شركة غاز في سلوفاكيا يعكس اتساع دائرة الاهتمام الأوروبي بمصادر الإمداد الجزائرية.
وبينما تعيد أوروبا رسم خريطة وارداتها من الغاز، تبدو الجزائر أمام فرصة لتوسيع حضورها تدريجيًا من الأسواق المتوسطية إلى وسط القارة الأوروبية، مع بقاء نجاح هذه الخطوة مرتبطًا بقدرة سوناطراك على الجمع بين وفرة الإمدادات، وتنافسية الأسعار، ومرونة النقل، واستدامة الإنتاج.







