تسعى الجزائر، التي اعتمدت لعقود على الريع النفطي، إلى إعادة بناء اقتصادها من التربة والماء عبر رؤية طموحة لتحويل القطاع الفلاحي إلى قوة اقتصادية حقيقية. يأتي هذا التحول في ظل القيادة الجديدة لوزارة الفلاحة والتنمية الريفية والصيد البحري بقيادة الوزير الشاب ياسين وليد الذي رفع سقف الطموح بالإعلان عن مشروع متكامل يجعل الفلاحة قاطرة للتنمية الاقتصادية، ويربط الأمن الغذائي بالتحول الاقتصادي وتنويع مصادر الدخل الوطني.
وخلال افتتاح الندوة الوطنية حول تجديد السياسة الفلاحية، أكد الوزير أن الهدف هو بناء فلاحة حديثة ومستدامة تمتد آفاقها إلى سنة 2060، قادرة على تلبية حاجيات أكثر من 65 مليون نسمة مستقبلاً، مشدداً على أن الثورة الفلاحية ستقوم على العلم والتكنولوجيا والإرادة القوية.
تركز الخطة على رفع مردود الهكتار الواحد إلى 35-40 قنطارًا خلال خمس سنوات من خلال تعميم البذور المحسنة واعتماد الزراعة الذكية القائمة على الابتكار والتقنيات الحديثة. وشملت توصيات الندوة أكثر من 300 إجراء عملي يهدف إلى تحديث القطاع، بما في ذلك تبسيط الإجراءات الإدارية، تشجيع الاستثمار الخاص، إدماج الرقمنة، وإطلاق شراكات بين القطاعين العام والخاص.
أبرز الخبراء الفلاحيون، مثل لعلي بوخالفة، ضرورة اعتماد تخطيط علمي في الغرس والسقي لتفادي العشوائية وضمان استدامة القطاع، مشددين على أهمية تطوير سياسات تسويق فعالة، توفير مخازن تبريد، ومرافقة الفلاح من الزرع إلى التسويق، مع الاستفادة من الفرص التصديرية خصوصاً نحو السوق الليبية.
تشير البيانات إلى أن الجزائر تمتلك مساحة زراعية هائلة تصل إلى 44 مليون هكتار، غير أن 8.5 ملايين هكتار فقط مستغلة فعلياً، ما يعكس فجوة واضحة بين الإمكانات والواقع، ويستدعي اعتماد الرقمنة والزراعة الدقيقة لرفع الإنتاجية وضمان الاستدامة.
ومن بين المشاريع الرائدة البنك الوطني للجينات الذي سيدخل الخدمة نهاية 2026، لدعم الأمن الغذائي من خلال البذور المهجنة والمراقبة الدقيقة للتراث الجيني المحلي، بما يوازن بين التطور التكنولوجي وحماية السيادة الغذائية للبلاد.
كما تشمل الرؤية الاستراتيجية إقامة مناطق فلاحية نموذجية، توفير قروض ميسرة للمزارعين، إدماج الذكاء الاصطناعي والرقمنة، دعم الصناعات التحويلية، وتطوير شراكات دولية في مجال الزراعة الدقيقة واستصلاح الأراضي المستدامة، لتقليص الفاقد وتعزيز القيمة المضافة محليًا.
وفي ظل هذه المقومات الطبيعية الضخمة، والرؤية السياسية الواضحة، يبقى نجاح التحول الفلاحي رهين قدرة الإدارة على تبني الحوكمة الرقمية، الشفافية، والابتكار، مع استقطاب جيل جديد من الفلاحين والمؤسسات الفلاحية الرقمية التي تزرع المعلومة قبل البذرة وتحصد البيانات قبل المحاصيل، ليكون القطاع الفلاحي فعلاً محركاً للنمو الاقتصادي واستثماراً في المستقبل.




