احتجاجات تكشف عمق التحول
لم يكن قرار السلطات في نيبال بحجب منصات كبرى مثل فيسبوك، إنستغرام، يوتيوب وإكس مجرد إجراء تقني عابر، بل أشعل شرارة احتجاجات واسعة خلفت قتلى وجرحى، لتكشف أن وسائل التواصل لم تعد أدوات ترفيهية أو فضاءات للتسلية، بل أصبحت بنية تحتية سياسية واجتماعية لا يقل أثرها عن الطرق والطاقة والمؤسسات التقليدية.

“الهشاشة الرقمية”.. مفهوم جديد
البروفيسور عبد القادر بريش، عضو اللجنة الاقتصادية بالمجلس الشعبي الوطني، يرى في هذه الأحداث انعكاسًا لما يسميه بـ”مرحلة الهشاشة الرقمية”. فحرمان الشباب من هذه المنصات يُنظر إليه اليوم كمساس مباشر بحق جماعي في التواصل، وهو ما يفسر حساسية المجتمعات تجاه أي قيود مفروضة على الفضاءات الرقمية.
شركات التكنولوجيا.. قوة عابرة للحدود
أكثر ما يثير القلق أن الشركات التكنولوجية الكبرى لم تعد مجرد مزودي خدمات، بل صارت فاعلين جدد في النظام الدولي. فهي تتحكم في تدفق المعلومات وفي أنماط التعبير والتواصل بين الشعوب، ما يمنحها تأثيرًا يضاهي قوة الدول، بل ويفرض على الحكومات التفكير في كيفية التعامل معها كقوى دولية قائمة بذاتها.

السيادة الرقمية.. شرط للأمن القومي
وفقًا للتحليل ذاته، فإن السيادة الرقمية لم تعد ترفًا فكريًا، بل غدت شرطًا أساسيًا لحماية الأمن القومي، تمامًا مثل السيادة على الطاقة أو الغذاء. فالدولة التي لا تملك فضاءات رقمية سيادية تبقى رهينة لسياسات الشركات العملاقة وتقلبات المصالح الدولية.
درس نيبال للعالم: لا استقرار بلا فضاءات سيادية
الدرس الأبرز من نيبال هو أن الاستقرار السياسي والاجتماعي في زمن الرقمنة لا يمكن أن يُبنى دون فضاءات رقمية سيادية تحمي المجتمعات من الاضطرابات المفاجئة، وتمنحها القدرة على التحكم في مساراتها الرقمية بعيدًا عن نزوات الأسواق الدولية.

انعكاسات على العالم العربي
بالنظر إلى هشاشة البنية الرقمية في العديد من الدول العربية، فإن تجربة نيبال تحمل رسالة تحذير واضحة: الأمن الرقمي لم يعد أقل أهمية من الأمن الغذائي أو الطاقوي. فالمنطقة مطالبة ببناء منصاتها السيادية وتطوير تشريعاتها الرقمية بما يحمي استقلالية القرار الوطني، ويحول الفضاء الرقمي من مصدر تهديد إلى رافعة للتنمية والاستقرار.


