أزمة قديمة تتجدد
لم يعد ملف سد النهضة الإثيوبي مجرد مشروع تنموي ضخم على نهر النيل، بل تحوّل إلى واحدة من أعقد الأزمات السياسية في إفريقيا. وفي أحدث فصول هذه القضية، وجهت وزارة الخارجية الإثيوبية رسالة حادة إلى مجلس الأمن الدولي، اتهمت فيها مصر بعرقلة المفاوضات ورفض جميع مقترحات التسوية منذ توقيع إعلان المبادئ عام 2015.
إثيوبيا: حق مشروع أم فرض أمر واقع؟
أديس أبابا أكدت في رسالتها أنها متمسكة بـ”الحق المشروع في الاستخدام العادل والمنصف لمياه النيل”، معتبرة أن ما تسميه القاهرة “حقوقًا تاريخية” ليس سوى “عقلية استعمارية تتجاهل بقية دول الحوض”. كما اتهمت مصر باللجوء إلى سياسات علنية وسرية لزعزعة استقرارها، محذرة من أن طلب القاهرة رأيًا استشاريًا من محكمة العدل الدولية قد يرتد عليها بتحمّل مسؤولية استغلالها الأحادي للنهر لسنوات طويلة.
مصر: النيل خط أحمر
على الجانب الآخر، ترى القاهرة أن النيل ليس مجرد مورد مائي بل شريان حياة يمدها بما يزيد عن 95% من احتياجاتها المائية. وتؤكد مصر أن ملء وتشغيل السد بشكل أحادي يشكل تهديدًا وجوديًا لأمنها القومي، مشددة على ضرورة التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم يحدد قواعد واضحة تمنع أي أضرار كارثية على دول المصب.
السودان.. موقف براغماتي وحذر
أما السودان، فيقف في منطقة وسطى، إذ يرى في السد فرصة للحصول على الكهرباء وتنظيم الفيضانات، لكنه لا يخفي قلقه من غياب اتفاق شامل يضمن سلامة منشآته المائية ويمنع أي تأثيرات غير محسوبة.
معركة دبلوماسية مفتوحة
القضية تجاوزت حدود القاهرة وأديس أبابا لتصل إلى أروقة المجتمع الدولي، حيث لم تسفر الوساطات السابقة سواء من واشنطن أو الاتحاد الإفريقي عن اتفاق نهائي. واليوم، قد تدفع الرسالة الإثيوبية الأخيرة مجلس الأمن لإعادة النظر في هذا الملف الشائك الذي يمس استقرار واحدة من أهم مناطق العالم استراتيجياً.
إلى أين تتجه الأزمة؟
مع تصلب المواقف، تبدو الأزمة مرشحة لمزيد من التصعيد. إثيوبيا ماضية في استكمال تشغيل السد، ومصر تلوّح بخياراتها كافة لحماية أمنها المائي، فيما يحاول السودان التوفيق بين مصالحه وتجنب الخسائر.
لكن الحقيقة التي يدركها الجميع أن الحل العسكري مكلف، والمواجهة المباشرة خطيرة، ولا خيار أمام دول الحوض سوى العودة إلى طاولة المفاوضات. فالنيل، الذي جمع الشعوب منذ آلاف السنين، قد يكون أيضًا الجسر الوحيد لتجاوز هذه الأزمة إذا غلب صوت العقل على منطق الصراع.


