Algerian
Business
Platform

مقالات ذات صلة

قرار صيدال.. لماذا اختار وسيم قويدري تحدي التنفيذ بدل الاكتفاء بالإدارة؟

د. حاتم حركاتي _ خبير اقتصادي

في تقديري القرار الذي اتخذه وزير الصناعة الصيدلانية الدكتور وسيم قويدري بالتنسيق مع مجلس إدارة مجمع صيدال ليس تعديل تنظيمي داخل مؤسسة عمومية بل هو رسالة سياسية وإقتصادية وصناعية واضحة تؤكد أن الجزائر دخلت مرحلة جديدة عنوانها السرعة في الإنجاز والانتقال من مرحلة الإعلان عن المشاريع إلى مرحلة تجسيدها فعليا فوق أرض الواقع وأن كل يوم تأخير في مشروع إستراتيجي هو خسارة مباشرة للإقتصاد الوطني والأمن الصحي الوطني ولطموح الجزائر في بناء صناعة صيدلانية قوية ومستقلة وقادرة على المنافسة إقليميا ودوليا.

مقر مجمع صيدال

لقد تابع الجميع منذ تعيين الدكتور وسيم قويدري على راس القطاع كيف تحرك الرجل بوتيرة غير مسبوقة وكيف أطلق خلال فترة قصيرة مجموعة من المشاريع الكبرى التي لم يسبق لأي وزير سابق أن أطلقها بهذا الحجم وبهذه الجرأة وبهذا الطموح مشاريع تتعلق بانتاج المواد الأولية الصيدلانية داخل الجزائر ومشاريع لتوطين صناعة الأدوية المبتكرة وعلاجات الجيل الجديد ومشاريع مرتبطة بالتكنولوجيا الطبية والبحث العلمي والإبتكار ومشروع المعهد الجزائري للتداوي بالخلايا الجذعية والجينية وهي كلها مشاريع ليست مشاريع عادية بل مشاريع ستغير وجه الصناعة الصيدلانية الجزائرية بالكامل إذا تم تجسيدها بالوتيرة المطلوبة.

ومن وجهة نظري فإن المشكلة الحقيقية لم تكن في غياب خريطة الطريق لأن الوزير يمتلك خريطة طريق واضحة وطموحة ولم تكن في غياب المشاريع لأن المشاريع موجودة وبقوة بل كانت في أن الإدارة التنفيذية لم تتمكن من مواكبة سرعة الوزير ولا من مجاراة ذكائه ولا من مسايرة النسق الذي أراد فرضه داخل القطاع فالوزير كان يفكر بعقلية المستقبل بينما كانت بعض الإدارات تتحرك بعقلية الإجراءات التقليدية والروتين الإداري البيروقراطي ما خلق فجوة بين سرعة القرار وسرعة التنفيذ وبين حجم الطموح وحجم الإنجاز الفعلي.

إقرأ أيضا في رأي: كرة القدم… من المستطيل الأخضر إلى خرائط النفوذ

ولهذا أعتبر أن قرار تعيين مدير عام ثان مكلف بالصناعة والإنتاج ومرافقة المشاريع المتوقفة واستكمال المشاريع غير المنجزة والإشراف على المشاريع التي لم تنطلق بعد هو قرار ذكي جدا ومدروس لأنه يعالج جوهر المشكلة دون أن يدخل المؤسسة في فراغ إداري أو صراعات داخلية فالوزير لم يبحث عن حل استعراضي ولم يذهب إلى تغيير شامل يربك المجمع بل إختار بالتنسيق مع مجلس الإدارة حلا عمليا يقوم على تدعيم القيادة التنفيذية للمجمع وخلق مركز متابعة ميداني دائم تكون مهمته الوحيدة هي الدفع بالمشاريع نحو الإنجاز الحقيقي.

واختيار السيد بوعرعارة يونس لم يكن اختيارا اعتباطيا فهو من أبناء المجمع الذين يعرفون تفاصيل المؤسسة ووحداتها الإنتاجية ويعرفون العراقيل التي عطلت المشاريع ويعرفون نقاط القوة ونقاط الضعف داخل المنظومة وهو ما يمنحه قدرة أكبر على التحرك بسرعة واتخاذ قرارات عملية بعيدا عن التعقيدات الإدارية التي كانت سببا في تجميد عدد من المشاريع لسنوات طويلة.

مقال ذات صلة: صيدال يُعيّن مديراً عاماً ثانياً | بوعرعارة يونس لتسريع المشاريع الاستراتيجية المتأخرة

والجزائر اليوم ليست أمام مشروع مصنع واحد أو مشروع إستثماري محدود بل أمام معركة سيادة صحية كاملة فكل وحدة لإنتاج المواد الأولية تعني تقليصا للاستيراد وكل خط لإنتاج دواء مبتكر يعني حماية للعملة الصعبة وكل مشروع بحث علمي يعني بناء معرفة وطنية وكل مصنع جديد يعني مناصب شغل جديدة وقيمة مضافة جديدة وقدرة اكبر على التصدير نحو الأسواق الإفريقية والعربية والدولية ولهذا فإن تسريع هذه المشاريع ليس خيارا إداريا بل أصبح ضرورة وطنية واستراتيجية وإقتصادية وصحية.

وإنني أرى أن الوزير الدكتور وسيم قويدري يتحرك بعقلية رجل دولة لا بعقلية مسير قطاع فقط فهو يدرك أن الصناعة الصيدلانية ليست نشاط اقتصادي بل هي جزء من الأمن القومي وجزء من استقلال القرار الوطني وجزء من قدرة الجزائر على مواجهة الأزمات الصحية العالمية دون الارتهان للخارج ولذلك جاءت مشاريعه قوية وجريئة وطموحة وتجاوزت بكثير ما اعتادت عليه الوزارة في السنوات السابقة.

هذه الرؤية الكبيرة تحتاج إلى إدارة تتحرك بنفس السرعة ونفس الحزم ونفس الطموح لأن المشروع الذي يبقى معلقا أشهرا أو سنوات لا يخسر الوقت فقط بل يخسر معه الإقتصاد الوطني فرصا استثمارية هائلة ويؤخر نقل التكنولوجيا ويحرم الكفاءات الجزائرية من فرص التطور ويزيد من الإعتماد على الخارج في قطاع يفترض أن يكون أحد أعمدة السيادة الوطنية.

ومن هنا فإن المرحلة المقبلة ستكون في تقديري مرحلة مفصلية داخل مجمع صيدال حيث ستصبح المتابعة اليومية والرقابة الميدانية والانضباط في التنفيذ عناصر أساسية في تقييم الأداء وستتحول المشاريع من ملفات على الرفوف إلى ورشات تحت المتابعة المباشرة.
والهدف الواضح هو أن تتحول رؤية الوزير إلى مصانع منتجة والى ادوية جزائرية حديثة وإلى صناعة قادرة على المنافسة الحقيقية داخل الجزائر وخارجها

وإذا تحقق هذا الانسجام الكامل بين رؤية الوزير وبين الإدارة التنفيذية وبين المتابعة الميدانية فإن مجمع صيدال سيكون أمام فرصة تاريخية غير مسبوقة ليتحول إلى واحدة من أكبر المؤسسات الصيدلانية في إفريقيا والعالم العربي وستكون الجزائر قد خطت خطوة عملاقة نحو تحقيق سيادتها الصحية والصناعية وبناء إقتصاد أكثر قوة واستقلالية وقدرة على خلق الثروة والتصدير والابتكار وهو ما يجعل هذا القرار في نظري واحدا من أهم القرارات الإستراتيجية التي اتخذت داخل القطاع خلال السنوات الأخيرة لأنه لا يتعلق بتغيير منصب فقط بل يتعلق بتغيير عقلية كاملة في التسيير والتنفيذ والمتابعة وتحويل الطموح الكبير الذي يحمله الوزير الدكتور وسيم قويدري إلى نتائج حقيقية يراها المواطن فوق أرض الواقع في أقرب وقت ممكن.

:شارك المقال

:شارك المقال

مقالات ذات صلة