رغم التنوع الجغرافي والثقافي الهائل الذي تتمتع به الجزائر، تبقى السياحة الوطنية محصورة في فصل الصيف، حيث يقتصر أغلب النشاط السياحي على الشواطئ والسواحل، بينما تبقى باقي مناطق البلاد – من الجبال إلى الصحارى – في عزلة شبه تامة خارج موسم الاصطياف. هذا الواقع يطرح تساؤلات جادة حول أسباب هذا “الجمود الموسمي”، وإمكانية الدفع نحو سياحة دائمة ومستدامة على مدار العام.
العطل السنوية… جدولة جامدة تُعيق الحركة
بحسب منير مساعدية، عضو المنتدى الوطني لوكالات السياحة والأسفار، فإن هيكلة العطل في الجزائر هي أحد العوامل التي تُكرّس السياحة الموسمية. فجُلّ الجزائريين يحصلون على عطلتهم السنوية في الصيف فقط، وهو ما يؤدي إلى اكتظاظ ظرفي يعقبه ركود طويل. ويرى مساعدية أن تغيير نمط توزيع العطل سيُنعش باقي الفصول، ويوفر فرصًا لتطوير أنواع أخرى من السياحة، كالسياحة الصحراوية شتاءً، أو الجبلية في الربيع.
كما شدد على أن كسر الطابع الموسمي سيسمح بتحسين الخدمات، تخفيض الأسعار، وضمان استمرارية في العمل داخل الوكالات والفنادق، ما يعود بالنفع على الاقتصاد المحلي.
الحاجة إلى ثقافة سفر جديدة
أما زهير معوش، عضو الوكالة الوطنية للسياحة والأسفار، فيربط المشكلة بغياب ثقافة السفر المتنوع لدى المواطن، مشيرًا إلى أن أغلب الجزائريين ما يزالون ينظرون إلى السياحة باعتبارها مرادفًا للبحر والعطلة الصيفية فقط. وأكد أن الجزائر تمتلك كنوزًا سياحية غير مستغلة، من المعالم التراثية إلى المهرجانات الثقافية، والمواقع البيئية الخلابة، لكنها بحاجة إلى ترويج احترافي يعيد رسم صورة السياحة في الذهن الجماعي.
كما دعا إلى استغلال الوسائط الرقمية بشكل أوسع، وتحفيز الشباب على خوض تجارب سياحية داخلية خارج النمط المعتاد.
إشارات رسمية للتحرك
في المقابل، بدأت السلطات تُظهر وعيًا بضرورة الخروج من النمط التقليدي. حيث كشفت المديرة العامة للديوان الوطني للسياحة، ناصر باي صليحة، عن وجود مساعٍ حثيثة لتنويع الأنشطة السياحية، من خلال دعم السياحة الداخلية، وتحديث وسائل الحجز والدفع، وتوفير محتوى رقمي ترويجي يعكس تنوع الوجهات السياحية الجزائرية.
وشددت على أن تحقيق القفزة النوعية المطلوبة يتطلب تنسيقًا فعليًا بين مختلف القطاعات، لتوفير تجربة متكاملة للسائح المحلي.
نحو خريطة سياحية سنوية
السياحة في الجزائر ليست بحاجة إلى اختراع جديد، بل إلى إعادة ترتيب ما هو موجود، وربطه برؤية تجعل من كل فصل فرصة، ومن كل منطقة نقطة جذب. فالانتقال من منطق “السياحة الصيفية” إلى “السياحة الدائمة” ممكن، إذا توفرت الإرادة، وتم الاستثمار في الذهنيات والبنى التحتية، مع إشراك الفاعلين المحليين في صياغة الحلول.
وحده التخطيط الذكي كفيل بتحويل السياحة من نشاط موسمي مؤقت إلى قطاع اقتصادي حيوي، يُحرك المناطق، ويخلق فرص العمل، ويمنح المواطن متعة اكتشاف بلاده من زوايا مختلفة.


