Algerian
Business
Platform

مقالات ذات صلة

كرة القدم… من المستطيل الأخضر إلى خرائط النفوذ

المفاتيح والأقفال _ د. مصطفى كساسي

كان الإنسان، منذ فجر التاريخ، يبحث عن شيءٍ يجتمع حوله الناس دون أن يسألوا عن لغاتهم أو أديانهم أو أعراقهم. فوجد النار أولاً، ثم وجد السوق، ثم وجد الدولة، ثم وجد الدين… وأخيراً وجد كرة القدم.


غير أن الكرة التي وُلدت في أزقة العمال، وتدحرجت فوق الطين وبين أقدام الفقراء، لم تبقَ لعبةً بريئة كما أرادها أصحابها الأوائل. فقد ابتلعها الاقتصاد، واحتضنتها السياسة، وتبنتها الشركات العملاقة، حتى تحولت من رياضة إلى صناعة، ومن متعة إلى سوق، ومن مباراة إلى منظومة عالمية تتجاوز في نفوذها دولاً وتنافس في تأثيرها إمبراطوريات.
لم تعد كرة القدم مجرد تسعين دقيقة من الركض خلف الكرة، بل أصبحت اقتصاداً كاملاً، تُقاس فيه المشاعر بالأرباح، وتُترجم فيه الهتافات إلى أسهمٍ في البورصة، وتُباع فيه الأحلام بعقود الرعاية والإعلانات، إنها الرأسمالية وهي ترتدي قميصاً رياضياً.
الفيفا… حين اكتشفت الإمبراطورية الذهب الكامن في العشب
في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي أدركت الفيفا حقيقةً لم يدركها الفلاسفة إلا متأخرين: الناس لا يشترون المنتجات، بل يشترون الأحلام المرتبطة بها، هنا دخلت كوكاكولا وأديداس إلى المسرح الكبير.


لم تكن زجاجة المشروب الغازي تبحث عن عطش الجماهير، ولم يكن الحذاء الرياضي يبحث عن أقدام اللاعبين، بل كان كلاهما يبحث عن العاطفة البشرية، فما أسهل أن تبيع مشروباً حين يقترن بطعم الانتصار، وما أسهل أن تبيع حذاءً حين يرتديه بطلٌ تهتف له الأرض بأكملها، ومنذ ذلك الحين، لم تعد كأس العالم بطولة رياضية فقط، بل أصبحت أكبر معرض تجاري متنقل عرفه التاريخ الحديث، يتبارى اللاعبون على المستطيل الأخضر، بينما تتبارى الشركات على مليارات الدولارات في المقصورات الزجاجية المكيفة.


اللاعب… من إنسان إلى أصلٍ مالي


كان اللاعب يوماً ابنَ حيٍّ شعبي، يحمل أحلام أسرته فوق كتفيه، أما اليوم فقد أصبح أصلاً مالياً، أشبه بمنجم ذهبٍ متنقل، تُقاس قيمته السوقية بمئات الملايين، وتُراقب تحركاته كما تُراقب أسعار النفط والعملات، قد يرتفع سعر لاعبٍ بسبب منشورٍ على وسائل التواصل الاجتماعي أكثر مما يرتفع بسبب هدفٍ أحرزه في الملعب، ففي عصر الاقتصاد الرقمي، لم تعد القدم هي التي تصنع الثروة وحدها، بل الصورة أيضاً، لقد تحوّل اللاعب إلى علامة تجارية، وتحول جسده إلى مساحة إعلانية، وتحولت حياته الخاصة إلى مادة استثمارية، ولعل كارل ماركس لو عاد إلى الحياة لابتسم ساخراً وهو يرى كيف تحولت حتى الموهبة إلى سلعة.
الأندية… ممالك القرن الحادي والعشرين


لم تعد الأندية الكبرى مجرد فرق رياضية، إنها دول بلا حدود، جماهيرها تتجاوز سكان عشرات البلدان، ومداخيلها تفوق ميزانيات بعض الحكومات، وتأثيرها الإعلامي يعبر القارات في ثوانٍ، ريال مدريد، برشلونة، مانشستر يونايتد، بايرن ميونيخ، ليفربول، باريس سان جيرمان، ليست أسماء أندية فقط، بل علامات عالمية تتنافس على الأسواق والعقول والقلوب، إنها شركات عابرة للقارات تبيع الانتماء كما تبيع القمصان، ففي عالم اليوم لم يعد المواطن وحده من يحمل هوية، بل أصبح المشجع أيضاً يحمل هوية كروية قد تفوق أحياناً انتماءه الوطني.


جيوسياسية كرة القدم أو حين دخلت الدول الملعب


في الماضي كانت الدول تتنافس بالجيوش، ثم تنافست بالمصانع، ثم تنافست بالتكنولوجيا، أما اليوم فإنها تتنافس أيضاً بالأندية والبطولات، لقد فهمت الدول الحديثة أن القوة لم تعد تُقاس بعدد الدبابات فقط، بل بعدد الشاشات التي تنقل صورتها إلى العالم، وهكذا دخلت الدول إلى الملاعب، اشترت أندية، واستثمرت في البطولات، وأنفقت المليارات على استضافة الأحداث الرياضية، ليس حباً في الكرة بالضرورة، بل حباً في الصورة، فالهدف الحقيقي لم يكن دائماً تسجيل الأهداف، بل تسجيل الحضور في الوعي العالمي، هنا تتحول كرة القدم إلى وزارة خارجية غير معلنة، وتتحول البطولة إلى قمة دبلوماسية، ويتحول اللاعب إلى سفير، ويتحول الهدف إلى رسالة سياسية.


السياحة وصناعة الصورة… عندما تصبح المدينة نجماً


عندما يسافر الملايين إلى مدريد أو برشلونة أو ميلانو أو مانشستر، فهم لا يشترون تذكرة مباراة فقط، إنهم يشترون رواية كاملة، يشترون صورة المدينة وتاريخها وأسماء شوارعها، ومقاهيها وذاكرتها الجماعية، لقد أصبحت كرة القدم من أقوى أدوات “العلامة الوطنية” في العالم، فالمدن التي تنجح في صناعة نادٍ عظيم، تنجح غالباً في صناعة صورة عالمية عن نفسها، وفي زمن الاقتصاد الرمزي، قد تساوي صورة مدينة جميلة أكثر مما تساويه عشرات الحملات الإعلانية التقليدية.
خلف الستار… حيث تُصنع القرارات
غير أن الجماهير ترى العشب ولا ترى ما تحته، فخلف المدرجات توجد عوالم أخرى، عالم اللوبيات، وعقود البث التلفزيوني، وشركات التسويق، وشبكات النفوذ، والتحالفات الدولية، إن كرة القدم الحديثة تشبه إلى حد بعيد الأمم المتحدة، لكنها تتحدث بلغة المال أكثر مما تتحدث بلغة السياسة، فالقرارات الكبرى لا تُصنع دائماً في الملاعب، بل في المكاتب المغلقة، والكؤوس لا تُرفع فقط بالأقدام، بل أحياناً بالمفاوضات الطويلة.


وأعظم مفارقات كرة القدم أنها ما زالت تُقدَّم للجماهير باعتبارها لعبة الشعب، بينما أصبحت في الواقع واحدة من أكثر الصناعات ربحية في التاريخ، الجماهير تبكي فرحاً أو حزناً، والشركات تحصي الأرباح، الأطفال يرون بطلاً، والمستثمرون يرون استثماراً، المشجع يرى قصة عشق، أما الأسواق فترى منتجاً عالمياً، وكأن العالم كله يشاهد المباراة نفسها، لكن كل طرف يراها بعين مختلفة.


الإمبراطورية الأخيرة


ربما كانت كرة القدم آخر إمبراطورية كونية تجمع البشر تحت راية واحدة دون أن تفرض عليهم لغة أو عقيدة، إنها دين العصر غير المعلن، وسوقه الأكبر، ومسرحه الأشهر، وأداة قوته الناعمة الأكثر نفاذاً، في العصور القديمة كانت الإمبراطوريات تُبنى بالسيوف، وفي العصر الصناعي بُنيت بالمصانع، وفي عصر النفط بُنيت بالثروات الطبيعية، أما في القرن الحادي والعشرين، فإن الإمبراطوريات تُبنى بالصورة.


وفي هذا العالم الذي تحكمه الشاشات أكثر مما تحكمه الحدود، لم تعد كرة القدم مجرد لعبة تُلعب فوق العشب، بل أصبحت معركة كبرى على الخيال الإنساني نفسه، فالذي يملك خيال الناس… يملك جزءاً من العالم.

إقرأ أيضا: لا نريد كأس العالم .. نريد كأس الكرامة

:شارك المقال

:شارك المقال

مقالات ذات صلة