في ظل تصاعد التوترات التجارية العالمية وتزايد الضغوط المرتبطة بالسياسات الحمائية، عقد رئيس الوزراء الصيني لي تشيانغ ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين اجتماعًا هامًا في نيويورك، على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة، في محاولة لإعادة ضبط العلاقة بين ثاني وثالث أكبر اقتصادين في العالم.
أجواء حذرة… ورسائل تهدئة
وسط أجواء مشحونة بالتحديات، أكدت فون دير لاين في منشور على منصة إكس أنها ناقشت مع لي تشيانغ قضايا تجارية حساسة، مشيدة بـ”روح التفاهم المتبادل” التي أبدتها بكين. لكنها في الوقت ذاته، لم تُخفِ قلق بروكسل من بعض الإجراءات الصينية، قائلة: “أوروبا عبّرت بوضوح عن مخاوفها بشأن ضوابط التصدير، صعوبة الولوج إلى السوق، وفائض الطاقة الإنتاجية لدى الصين”.
أما لي تشيانغ، فنقل عنه بيان رسمي صادر عن الخارجية الصينية دعوته إلى التمسك بالأسس التي قامت عليها العلاقات الثنائية، مع الإشارة إلى أهمية الحفاظ على الأسواق المفتوحة والتنافس النزيه، دون تسييس الملفات الاقتصادية أو توسيع مفهوم “الأمن القومي” بشكل مبالغ فيه.
التصعيد التجاري.. خلفية المشهد
التوتر بين الجانبين ليس وليد اللحظة. فقد دخلت العلاقات الصينية الأوروبية في نفق من الشد والجذب منذ أن فتحت المفوضية الأوروبية، عام 2023، تحقيقًا في الدعم الحكومي المقدم للسيارات الكهربائية الصينية، ما دفع الصين للرد بإجراءات مضادة شملت قطاعات أوروبية حساسة كمنتجات الألبان والبراندي.
ومع ذلك، يبدو أن المستجدات الدولية – لا سيما السياسة الاقتصادية الانعزالية للرئيس الأميركي دونالد ترامب – دفعت بكين وبروكسل إلى البحث عن أرضية مشتركة، في ظل تقاطع مصالح اقتصادية وقلق مشترك من اضطرابات سلاسل التوريد العالمية

الصين.. لاعب حاسم في ملفات السياسة الدولية
اللقاء لم يقتصر على الملفات التجارية، إذ تناول أيضًا قضايا الجغرافيا السياسية، وعلى رأسها الحرب في أوكرانيا. ودعت فون دير لاين الصين إلى استغلال نفوذها على روسيا للضغط نحو وقف الحرب، معتبرة أن “الوقت قد حان للدبلوماسية”، وأن قيام بكين بدور إيجابي سيكون “رسالة قوية للعالم”.
من جهتها، لم تُشر الخارجية الصينية إلى الملف الأوكراني في بيانها الرسمي، مكتفية بالتأكيد على أهمية “الاستقلالية الاستراتيجية” في العلاقات الدولية.

أرقام تعكس تقاربًا تدريجيًا
رغم التوترات، تكشف الأرقام عن تعافٍ تدريجي في العلاقات الاقتصادية. فقد ارتفع الاستثمار الصيني في أوروبا إلى حوالي 10 مليارات يورو في 2024، بعد سبع سنوات من التراجع، وفق معهد “ميركس” الألماني. كما سجلت التجارة الثنائية بين الصين والاتحاد الأوروبي نموًا بنسبة 1.4% في بداية العام، لتبلغ 182 مليار دولار.
وفي هذا السياق، صرّح وزير الخارجية الصيني وانغ يي في وقت سابق أن المبادلات التجارية بين الطرفين تضاعفت خلال خمسة عقود من 2.4 مليار دولار إلى 780 مليار دولار سنويًا، ما يؤكد – حسب رأيه – أن الشراكة الاقتصادية بين الصين وأوروبا لا تزال حيوية رغم الخلافات.


