تشير التقديرات الأخيرة إلى أن الدولار الأميركي يواجه مرحلة حرجة من تاريخه كعملة احتياطية أولى في العالم، في وقت تتزايد فيه الضغوط الجيوسياسية والاقتصادية والمالية. ويأتي هذا التحول وسط تحذيرات من مؤسسات مالية رائدة، أبرزها بنك “غولدمان ساكس”، حول احتمال تراجع جاذبية الدولار كمخزن آمن للقيمة، مع تزايد عزوف المستثمرين عن الأصول الأميركية.
تحذيرات من تحول جذري في النظرة إلى الدولار
في مذكرة تحليلية صدرت بتاريخ 9 يوليو 2025، وقّعها محللا بنك “غولدمان ساكس”، كارين رايشغوت فيشمان وليكسي كانتر، أُشير إلى أن الدولار قد يعود سريعًا إلى دائرة الخطر بعد فترة استقرار نسبي. ويستند هذا التحذير إلى مؤشرات واضحة، أبرزها التراجع اللافت في عمليات الاحتفاظ بالدولار وتوجه المستثمرين نحو تنويع محافظهم الاستثمارية بعيدًا عن السوق الأميركية.
ويرى المحللان أن “البيئة الجيوسياسية الراهنة، إلى جانب الضبابية المتزايدة بشأن السياسات الجمركية الأميركية، والتساؤلات حول استقلالية مجلس الاحتياطي الفيدرالي، كلها عوامل تضغط على موقع الدولار في منظومة الأسواق العالمية”.
العلاقة التقليدية لم تعد موثوقة
من أبرز التحولات المثيرة للقلق، وفق “غولدمان ساكس”، هو تسجيل عمليات بيع متزامنة للدولار الأميركي والأسهم الأميركية بمعدل يفوق الضعف مقارنة بالعقد الماضي، وهي ظاهرة غير مسبوقة. فقد اعتادت الأسواق على رؤية الدولار كملاذ في فترات التوتر، لكن هذه العلاقة باتت مهزوزة، مما يعكس تراجعًا في الثقة العامة بالأصول الأميركية.
ويشير المحللون إلى أن “تراجع الدولار بالتوازي مع انخفاض الأسهم والسندات يُعدّ إشارة خطيرة على تغير المزاج الاستثماري العالمي تجاه أميركا”.
أداء متباين أمام العملات الرئيسية
بيانات سوق الصرف تؤكد هذا التذبذب. فخلال الساعات الأخيرة:
- ارتفع الدولار مقابل اليورو بنسبة 0.31% ليبلغ 0.8559.
- سجل ارتفاعًا طفيفًا مقابل الين الياباني بنسبة 0.12%.
- تراجع أمام الدولار الأسترالي بنسبة 0.53%.
- تراجع أمام الروبل الروسي بنسبة 0.20%، وأمام الجنيه المصري بنسبة 0.21%.
أما في الخليج، فقد حافظ على استقراره أمام الدرهم الإماراتي والريال السعودي، مع تسجيل صعود طفيف أمام الريال القطري بنسبة 0.02%.
تهديدات هيكلية ومخاوف سيادية
يبدو أن القلق الأكبر لا يرتبط فقط بالأداء اليومي للعملة، بل بالمخاطر البنيوية التي تحيط بها. فالأسواق تتخوف من احتمالية خضوع السياسة النقدية الأميركية لضغوط سياسية، خصوصاً بعد الانتخابات الرئاسية المقبلة. كما تتزايد التحذيرات من أزمات الدين العام الأميركي والإنفاق الفيدرالي المتصاعد.
هذا الوضع يدفع المستثمرين إلى البحث عن ملاذات بديلة، مثل الذهب، الفرنك السويسري، والين الياباني، ما يقلص من جاذبية الدولار كعملة احتياطية في المدى القريب.
التوازن الصعب بين السياسة والاقتصاد
في تحليل أوسع، يرى خبراء الاقتصاد أن مستقبل الدولار الأميركي أصبح مرتهنًا بتوازن دقيق بين السياسات الداخلية في واشنطن والتقلبات الجيوسياسية العالمية. ومع استمرار حالة الترقب في الأسواق، فإن أي انكماش جديد في مؤشرات الاقتصاد الأميركي قد يؤدي إلى تعميق المخاوف.
في هذا السياق، يقول محللو “غولدمان ساكس”:
“لم يعد الدولار العملة التي تقفز تلقائيًا في أوقات القلق. التغييرات الهيكلية والضغوط المالية قد تضعف ثقة المستثمرين على نحو دائم، ما لم تتحرك الولايات المتحدة لاستعادة مصداقية مؤسساتها النقدية والمالية.”
مستقبل مشروط بنتائج قادمة
تنتظر الأسواق بحذر ما ستكشف عنه البيانات الأميركية المقبلة، خصوصًا تقارير الوظائف والتضخم، وكذلك التطورات المحتملة في السياسات الجمركية والنزاعات التجارية، التي قد تحدد المسار المستقبلي للدولار خلال النصف الثاني من العام.
يبدو أن الدولار الأميركي لم يعد محصّناً كما في السابق، وأصبح عرضة للعديد من المؤثرات المتشابكة. ومع تحول المزاج الاستثماري العالمي وتزايد الضغوط البنيوية، فإن العملة الأقوى في العالم قد تواجه اختبارًا غير مسبوق في التاريخ الحديث.


