في تحول استراتيجي يعكس إعادة تموقع في خارطة الشراكات الدولية، تستعد الجزائر للتخلي عن مشروع ميناء الحمدانية الذي كان من المزمع إنجازه بالشراكة مع الصين، وتفتح الباب أمام شراكة جديدة مع مجموعة CMA CGM الفرنسية، في خطوة تعكس تغييرًا في الرؤية الاقتصادية واللوجستية للدولة.
نقلة نوعية: من ميناء جديد إلى تحديث شامل
ميناء الحمدانية، الذي أُعلن عنه كأحد أبرز المشاريع البحرية في المنطقة، كان يُنتظر أن يُحدث طفرة لوجستية بفضل عمق مياهه الذي يتجاوز 20 مترًا، وسعته التي تصل إلى 6.5 مليون حاوية و25.7 مليون طن من البضائع سنويًا. غير أن السلطات الجزائرية قررت العدول عن المشروع، لأسباب تتعلق بالتحولات الاقتصادية، وتبدّل أولويات الحكومة، وتغيّر موازين التجارة البحرية العالمية.
وبدلاً من بناء ميناء جديد، تتجه الجزائر نحو تطوير بنيتها المينائية الحالية بالشراكة مع CMA CGM الفرنسية، التي تُعد ثالث أكبر شركة شحن في العالم، وتتمتع بخبرة طويلة في السوق الجزائرية.
استقبال حاسم ورسائل سياسية واقتصادية
الرئيس عبد المجيد تبون استقبل، يوم 2 جوان 2025، رودولف سعادة، الرئيس المدير العام لمجموعة CMA CGM، في لقاء يحمل دلالات متعددة. ورغم أن الاجتماع لم يُتوّج بتوقيع رسمي، إلا أن مصادر فرنسية كشفت أن كل تفاصيل المشروع نوقشت بدقة، مع نية لإبرام اتفاق نهائي قبل سبتمبر 2025.
هذا اللقاء يُقرأ كإشارة تهدئة سياسية تجاه باريس، دون التفريط في السيادة الاقتصادية. فالجزائر، التي شهدت توترًا مع فرنسا مؤخرًا، تُظهر استعدادًا لفتح أبواب الاستثمار أمام من يحترم قواعد الشراكة المتوازنة.
مشروع CMA CGM: رؤية متكاملة لتحديث 7 موانئ جزائرية
الخطة الفرنسية تشمل إنشاء رصيف جديد للحاويات، وتحديث موانئ استراتيجية مثل الجزائر العاصمة، وهران، بجاية، وجيجل. إلى جانب تطوير مناطق لوجستية وربطها بشبكات السكك الحديدية. المشروع يُتوقع أن يخفض زمن تفريغ الحاويات بنسبة تصل إلى 40%، ويرفع العوائد الجمركية بشكل ملحوظ خلال 3 سنوات.
كما تعهدت المجموعة بضخ استثمارات تفوق 600 مليون يورو وتوطين تقنيات التتبع الذكي، مقابل امتياز تشغيلي يمتد لـ25 سنة.
أزمة مع فرنسا.. وانفراج بميناء
اللقاء الأخير أعاد الروح لمفاوضات توقفت في أفريل الماضي، على خلفية أزمة دبلوماسية كادت تعصف بالعلاقات الاقتصادية، خاصة بعد طرد دبلوماسيين وتعليق زيارات رجال الأعمال الفرنسيين. CMA CGM كانت على وشك الإعلان عن برنامج استثماري شامل آنذاك، لكن الوضع السياسي عطّل المشروع. واليوم، يبدو أن صفحة جديدة تُكتب بين الطرفين.
الجزائر تُعيد تموقعها كمحور تجاري إفريقي-متوسطي
تعتمد الرؤية الجزائرية الجديدة على تعزيز الربط بين موانئها، والطريق العابر للصحراء، والطريق السريع شرق-غرب، ومشاريع توسعة مينائي سكيكدة وعنابة. كما يتم العمل على إطلاق خطوط بحرية جديدة بين مرسيليا وكل من وهران وعنابة.
الهدف: ترسيخ موقع الجزائر كبوابة لوجستية تربط أوروبا بإفريقيا وآسيا، وتحقيق قفزة نوعية في سلاسل التوريد والتجارة البحرية.
المرحلة القادمة: توقيع منتظر وتحديات قانونية
المفاوضات مستمرة، لكن العقبات القانونية، خاصة ما يتعلق بإعادة هيكلة رسوم الخدمات المينائية، يجب تجاوزها قبل توقيع الاتفاق الرسمي. الجدول الزمني الأولي يشير إلى إمكانية تشغيل الرصيف الجديد بحلول عام 2028، إذا ما سارت الأمور دون عراقيل.
خلاصة رأس المال
الجزائر ترسم بوصلة جديدة للتنمية البحرية، بشراكة تقنية ومالية مع عملاق فرنسي عالمي، وتُعلن بذلك عن نهاية مرحلة وبداية أخرى. هي خطوة اقتصادية.. لكنها محملة برسائل سياسية، استراتيجية، ولوجستية، تتجاوز مجرد توقيع على اتفاق.
#ميناء_الحمدانية #CMA_CGM #الجزائر_فرنسا #البنية_التحتية #اللوجستيك #الاستثمار_الأجنبي #رأس_المال #الاقتصاد_الجزائري #الشراكة_الاستراتيجية




