عودة قوية للغاز الجزائري إلى قلب السوق الإسبانية
بعد أشهر من التراجع المؤقت، استعادت الجزائر موقعها الريادي كمصدر أول للغاز نحو إسبانيا خلال النصف الأول من عام 2025، بعدما بلغت صادراتها نحو هذا البلد 61.57 تيراواط/ساعة، ما منحها حصة سوقية بلغت 32.5%، متقدمة على الولايات المتحدة وروسيا ونيجيريا، وفقًا للبيانات الرسمية الصادرة عن شركة “إيناغاز” الإسبانية.
العودة القوية تأتي رغم الانقطاع التام الذي عرفته الشحنات الجزائرية من الغاز الطبيعي المسال في شهري يناير وفبراير 2025، وهي سابقة لم تُسجل منذ انطلاق العلاقات الطاقوية بين البلدين. لكن الجزائر أثبتت مرة أخرى قدرتها على إعادة ضبط معادلات التصدير بكفاءة سيادية عالية، مع الحفاظ على التوازن بين متطلبات السوق الخارجية والطلب المحلي الداخلي.
ريادة شهرية لافتة: 43.6% من واردات يونيو من الجزائر
في شهر يونيو فقط، سجّلت الجزائر أعلى أداء شهري منذ بداية العام، بعدما بلغت صادراتها 12.04 تيراواط/ساعة، بما يمثل 43.6% من إجمالي واردات الغاز الإسبانية. وتتوزع الكميات بين 7.89 تيراواط/ساعة من الغاز الطبيعي عبر الأنابيب و4.15 تيراواط/ساعة من الغاز المسال، ما يعكس استعادة الجزائر زخمها الكامل في شبكات التسييل والنقل بعد فترات التوقف السابقة.

تراجع أميركي وتعزيز لموقع الجزائر
في مقابل هذا الصعود، سجلت الولايات المتحدة تراجعًا لافتًا، حيث بلغت حصتها في يونيو 15% فقط، مقارنة بـ31.2% خلال النصف الأول من العام. ويُعزى هذا التراجع إلى ارتفاع كلفة الغاز المسال الأميركي وصعوبات النقل، ما أعاد تسليط الضوء على أهمية الجزائر كشريك تقليدي موثوق للطاقة في غرب المتوسط.
من جهتها، حافظت روسيا على المرتبة الثالثة بنسبة 13.8%، بينما سجّلت نيجيريا انكماشًا كبيرًا في صادراتها إلى إسبانيا، متراجعة من 31.65 تيراواط/ساعة عام 2022 إلى 14.28 فقط في 2025، وهو ما يعزز موقع الجزائر كمصدر مستقر في خضم تقلبات إفريقيا جنوب الصحراء.
مرونة فنية وموقع استراتيجي
البيانات الرسمية تظهر أن الجزائر صدّرت 52.67 تيراواط/ساعة عبر الأنابيب، و8.9 تيراواط/ساعة من الغاز الطبيعي المسال. هذا الأداء يعكس مرونة الجزائر الفنية والسيادية، وقدرتها على تكييف مستويات الإمداد وفقًا لمتطلبات السوق وتطورات البنية الطاقوية.
ورغم أن إجمالي صادرات الجزائر إلى إسبانيا في النصف الأول من عام 2025 سجل انخفاضًا طفيفًا مقارنة بـ66.33 تيراواط/ساعة في الفترة ذاتها من 2024، إلا أن الجزائر حافظت على موقعها الريادي دون التأثير على التوازن الاستراتيجي، مستفيدة من الطلب المحلي المتنامي على الطاقة، لا سيما مع ارتفاع استهلاك الكهرباء.
البنية الطاقوية الإسبانية تدعم الحاجة إلى الغاز الجزائري
بلغت نسبة امتلاء مخازن الغاز تحت الأرض في إسبانيا، إلى غاية 10 يوليو، نحو 75% من السعة الإجمالية، متجاوزة المعدل الأوروبي (61%). كما قاربت نسبة الامتلاء في محطات إعادة تحويل الغاز المسال إلى غاز 60%. هذه الأرقام تؤكد أن الجزائر تلعب دورًا محوريًا في استقرار الإمدادات الإسبانية في ظل الطلب المتزايد.
خلال نفس الفترة، بلغ استهلاك الغاز في إسبانيا 193.7 تيراواط/ساعة، بزيادة 8.1% مقارنة بالعام الماضي، وارتفع استهلاك يونيو بنسبة 21.7% على أساس سنوي، مدفوعًا أساسًا بـارتفاع درجات الحرارة وتراجع إنتاج الطاقات المتجددة والنووية، ما عزز الاعتماد على الغاز الطبيعي.
شريك استراتيجي في معادلة الطاقة الأوروبية
على الصعيد الجيوسياسي، تعزز هذه الأرقام موقع الجزائر كشريك موثوق في تأمين الطاقة لأوروبا. فمع تراجع الثقة في الغاز الروسي وارتفاع تكلفة الغاز الأميركي، تزداد أهمية الجزائر كمصدر طاقوي إقليمي يتمتع بموقع جغرافي استراتيجي وشبكة أنابيب متطورة، خاصة مع تنامي الحديث عن تعزيز قدرات الربط الطاقوي بين الجزائر وإسبانيا وفرنسا وإيطاليا.
وفي هذا السياق، يقول الدكتور رياض بن عربية :
“الجزائر أثبتت قدرتها على الحفاظ على موقعها الإقليمي رغم الضغوط السياسية، وتأكيدها على أن أمن الطاقة لا يمكن فصله عن السيادة الاقتصادية والدبلوماسية.”
نضج دبلوماسي وسط فتور سياسي
ورغم التوترات السياسية التي شهدتها العلاقات الجزائرية الإسبانية خلال العامين الماضيين، تواصل الجزائر الوفاء بالتزاماتها التعاقدية، ما يؤكد نضجًا دبلوماسيًا في إدارة الملفات الحساسة، وقدرة على فصل المصالح الاقتصادية طويلة الأمد عن الخلافات السياسية الظرفية.
الغاز الجزائري، صادرات الغاز الجزائرية، إمدادات الطاقة في إسبانيا، إيناغاز، شراكة طاقوية جزائرية إسبانية، الغاز الطبيعي الجزائري، الجزائر مصدر طاقة، سوق الغاز الأوروبية.


