Algerian
Business
Platform

مقالات ذات صلة

التقلبات مناخية الأخيرة في الجزائر: تحديات الأرواح والبنى التحتية

التقلبات مناخية الأخيرة في الجزائر: تحديات الأرواح والبنى التحتية

شهدت الجزائر منذ بداية خريف 2025 سلسلة من الفيضانات المدمرة التي اجتاحت عدداً من الولايات، مخلفة وراءها خسائر بشرية ومادية كبيرة.
وبحسب بيانات الحماية المدنية، فقد تم تسجيل 5 وفيات على الأقل، بينهم رضيع وطفلان، إلى جانب عدة جرحى ومفقودين لا تزال عمليات البحث عنهم متواصلة.

في ولاية الجلفة: جرفت السيول سيارة بأكملها في منطقة وادي فريطيس، حيث تم العثور على جثتين على بعد عشرات الكيلومترات من موقع الحادث. كما لقي رضيع حتفه في منطقة سد أم الذروع بعد أن جرفته السيول المفاجئة.

في ولاية المسيلة: غرق طفلان يبلغان من العمر 3 و5 سنوات ببلدية سيدي عيسى، إثر ارتفاع منسوب المياه في أربعة أودية متجاورة غمرت الحديقة التي كانا يلعبان فيها.

في تيارت والأغواط: شهدت عدة بلديات محاصرة عائلات داخل منازلها، وأُبلغ عن أضرار جسيمة طالت الممتلكات الخاصة والعامة.

هذه الحصيلة تعكس الطابع المفاجئ للفيضانات التي باغتت المواطنين، في وقت لم تكن فيه البنى التحتية جاهزة لاحتواء كميات الأمطار المتساقطة في فترة وجيزة.

خسائر مادية تطال مختلف القطاعات

لم تقف الكارثة عند الأرواح البشرية، بل امتدت إلى خسائر اقتصادية وبنية تحتية واسعة النطاق:

المساكن: غمرت مياه الأمطار عشرات المنازل الشعبية، وأجبرت العديد من العائلات على النزوح المؤقت إلى مراكز إيواء أو لدى أقاربهم.

الطرقات: تضرر الطريق الوطني رقم 1، أحد أهم المحاور الإستراتيجية التي تربط الشمال بالجنوب، حيث أدت السيول إلى انقطاع حركة المرور في عدة مقاطع.

الفلاحة: جرفت المياه مساحات واسعة من الأراضي الزراعية في ولايات الهضاب العليا، وهو ما قد ينعكس سلباً على الإنتاج الفلاحي خلال الموسم الحالي.

البنية التحتية المحلية: تعطلت شبكات الكهرباء والاتصالات في بعض المناطق الريفية، ما زاد من معاناة السكان وأعاق عمليات الإنقاذ.

تحذيرات الأرصاد الجوية وتحديات المناخ

سبق لمصالح الأرصاد الجوية أن حذرت من تساقط كميات معتبرة من الأمطار، بلغت أحياناً أكثر من 15 ملم خلال ساعات قصيرة في ولايات مثل قسنطينة، سطيف، سوق أهراس، المسيلة والجلفة.

ويرى الخبراء أن هذه الظواهر الجوية المتطرفة مرتبطة بشكل مباشر بظاهرة التغير المناخي، التي جعلت الجزائر أكثر عرضة لفيضانات مفاجئة وصعبة التنبؤ.
ويطرح هذا الوضع تساؤلات حادة حول مدى استعداد البنى التحتية، خصوصاً أن شبكات تصريف المياه في معظم المدن محدودة القدرة وقديمة التصميم، ولا تستطيع استيعاب كميات الأمطار المتزايدة.

استجابة عاجلة من الحماية المدنية

رغم حجم الكارثة، تحركت فرق الحماية المدنية بسرعة لتنفيذ عمليات تدخل شملت:

إنقاذ عشرات الأشخاص العالقين داخل سيارات أو منازل غمرتها المياه.

فتح الطرق الوطنية والمحلية التي شلتها السيول.

نشر وحدات الغطس والكلاب المدربة للبحث عن المفقودين.

إقامة مراكز إيواء مؤقتة للعائلات المتضررة.

تفعيل لجان ولائية لحصر الخسائر وتعويض المتضررين.

كما ساهمت قوات الجيش الوطني الشعبي في بعض التدخلات، خصوصاً في المناطق النائية التي صعب على الفرق المدنية الوصول إليها.

بين الاستعجال والتخطيط: الدروس المستخلصة

أعادت هذه الفيضانات النقاش الوطني حول البنى التحتية والتخطيط العمراني في الجزائر.
ففي كل موسم أمطار، تتكرر نفس المشاهد: طرق غارقة، أحياء مشلولة، أودية مهددة بالانفجار، ومواطنون يطالبون بتدخل عاجل.

ويرى خبراء العمران أن الحل يكمن في:

توسيع وتجديد شبكات تصريف مياه الأمطار بما يتماشى مع كثافة التساقط المتزايدة.

منع البناء العشوائي قرب مجاري الأودية وتطبيق صارم لقوانين التعمير.

إنشاء أنظمة إنذار مبكر لتحذير السكان قبل وقوع الفيضانات.

إدماج الخرائط الجغرافية والهيدرولوجية في التخطيط العمراني.

إطلاق حملات توعية وطنية لتعريف المواطنين بكيفية التصرف في حالات الطوارئ.

البعد الاجتماعي والإنساني

خلفت الفيضانات أيضاً معاناة إنسانية كبيرة:

عائلات فقدت أبناءها في ظروف مأساوية.

أطفال يعيشون صدمة نفسية نتيجة مشاهد الغرق والإنقاذ.

عائلات هجّرت مؤقتاً عن منازلها، ما يثير إشكاليات اجتماعية مرتبطة بالسكن والإعالة.

هذه الجوانب الإنسانية تفرض على السلطات ليس فقط التحرك العاجل، بل أيضاً تقديم دعم نفسي واجتماعي طويل الأمد للمتضررين.

تكشف فيضانات الجزائر 2025 أن التغير المناخي لم يعد مجرد تحدٍّ بيئي عالمي، بل تحول إلى خطر مباشر على حياة المواطنين واقتصاد البلاد.
إن مواجهة هذه الظواهر لم تعد خياراً مؤجلاً، بل ضرورة وطنية عاجلة، تتطلب:

تخطيطاً استراتيجياً طويل الأمد للبنى التحتية.

استثمارات أكبر في أنظمة الوقاية والإنذار المبكر.

مقاربة تشاركية تجمع بين الدولة والمجتمع المدني والقطاع الخاص.

إنها دعوة لإعادة التفكير في كيفية التكيف مع عالم يتغير مناخياً بوتيرة أسرع مما كنا نتوقع.

:شارك المقال

:شارك المقال

مقالات ذات صلة