خطوة تشريعية رائدة
بزخم تشريعي غير مسبوق، دخلت الجزائر مرحلة جديدة في إدارة وتسيير الأوقاف، بعد المصادقة على مشروع قانون الأوقاف الجديد، الذي جاء ليكرّس الرؤية الحديثة لمؤسسة الوقف، كمحرك اجتماعي واقتصادي وتنموي، في ظل معادلة دقيقة تجمع بين مقاصد الشريعة الإسلامية ومتطلبات التسيير العصري للدولة.
آفاق جديدة للتمويل التنموي ومكافحة الفقر
القانون الجديد يعيد تعريف الوقف كأداة مركزية لدعم التنمية والتكافل، حيث نص على إمكانية إنشاء صناديق وقفية، وتوظيف الأموال في مشاريع منتجة، بل وذهب أبعد من ذلك حين سمح بتقديم قروض حسنة للمستحقين، ما يمنح مؤسسة الوقف بعدًا اقتصاديًا حيويًا، يتجاوز الطابع الرمزي أو التقليدي.
في هذا السياق، أكد خبراء أن هذه الخطوة التشريعية تندرج ضمن تصور أوسع للدولة، يرمي إلى تعبئة الموارد المجتمعية غير التقليدية، وإعادة دمجها في الدورة الاقتصادية، من خلال شراكات شفافة، وصيغ استثمار إسلامية تحفز رأس المال الخاص.
بين النص والتحدي: عقبات التطبيق على الأرض
رغم الطموح الذي يحمله القانون، إلا أن طريق تجسيده لن يكون مفروشًا بالورود. فتعدد المرجعيات القانونية، والنزاعات العقارية القديمة، وصعوبة حصر بعض الأملاك المجهولة المصير، كلها عوامل قد تعرقل أولى خطوات التنفيذ.
وفي هذا الصدد، يرى الدكتور عبد القادر بن عزوز، أستاذ القانون بجامعة الجزائر، أن “نجاح مشروع القانون لن يتوقف على جماليات النص، بل على توفر آليات التنزيل الميداني، وقدرة الإدارة الوقفية على إثبات الملكيات، وضمان الحقوق، وتفعيل منظومة الرقابة والردع بفعالية”.
رهان الثقة وإشراك المجتمع
من بين أبرز الملاحظات المسجلة، أن النص الجديد أولى أهمية كبرى للأوقاف العامة، في حين بقي الوقف الخاص في مرتبة ثانوية، وهو ما اعتبره البعض ثغرة قد تحد من مساهمة الأفراد والمستثمرين في مشاريع وقفية خاصة.
ويرى متابعون أن القانون مطالب بتقديم مزيد من الضمانات والحوافز لأصحاب رؤوس الأموال، خاصة فيما يتعلق بحماية أملاكهم الوقفية من التعدي، وتوضيح إجراءات الرجوع عن الوقف أو تعديله، وهو ما قد يشجع على انخراط أكبر للقطاع الخاص في هذه المبادرة المجتمعية.
رقمنة وجرد وطني شامل
في محاولة لتجاوز إشكالية ضياع الأوقاف أو صعوبة تتبعها، ألزم القانون جميع الهيئات والإدارات العمومية بالتنسيق مع الجهة الوصية على الأوقاف، لإجراء عملية جرد شامل، من خلال سجل وطني موحد يشمل الأملاك العقارية والمنقولة، مع سجل خاص بالمستفيدين.
وتعد هذه الخطوة تحولًا نوعيًا في تسيير الوقف، حيث ترتكز على الرقمنة كأداة لتكريس الشفافية، وتسهيل إجراءات التتبع والمساءلة. إلا أن تفعيل هذه المنظومة الرقمية، بحسب مختصين، سيظل رهينًا بتوفير البنية التحتية والكوادر المؤهلة، وربط قواعد البيانات بين المؤسسات.
تجارب دولية.. وإرادة محلية للتكييف
يستمد القانون الجديد كثيرًا من عناصره من تجارب ناجحة في العالم الإسلامي، على غرار ماليزيا وتركيا، حيث أصبح الوقف رافدًا اقتصاديًا موازيًا. لكنّ تحدي التكييف يفرض نفسه في الحالة الجزائرية، حيث تختلف السياقات الاجتماعية والإدارية.
ويؤكد مختصون أن تطوير الصيغ الاستثمارية – كالمضاربة، والمقاولة، والإجارة – سيحتاج إلى شراكات مع القطاع المالي الإسلامي، وبيئة استثمار جاذبة، وأطر قانونية ضامنة، بعيدًا عن البيروقراطية.
نقلة تشريعية تنتظر التفعيل
في خضم التحديات الاقتصادية التي تواجهها الجزائر، يبرز قانون الأوقاف كإحدى اللبنات الجديدة لبناء اقتصاد اجتماعي تشاركي. غير أن ترجمة النصوص إلى واقع فعلي، تفرض إرادة سياسية دائمة، وانخراطًا شعبيًا واسعًا، ومرافقة إعلامية وتوعوية مدروسة.
يقول الأستاذ بن عزوز: “نحن أمام فرصة حقيقية لإعادة الاعتبار للوقف، شرط أن نصون التوازن بين الشفافية، واحترام إرادة الواقف، وتوسيع قاعدة المشاركة دون إخلال بمقاصد الشريعة”. ويضيف: “النجاح لا يكمن في كم النصوص، بل في روح التطبيق”.


