لم يكن طريق إبراهيم حمداني إلى مقعد مدرب المنتخب الجزائري الأول مفروشًا بالأضواء.
قبل أن يصبح الرجل الذي اختارته الاتحادية الجزائرية لكرة القدم لقيادة «الخضر»، وقبل أن يتوج بذهبية ألعاب البحر الأبيض المتوسط 2026 مع منتخب تحت 21 سنة، أمضى حمداني سنوات في ملاعب فرنسية مغمورة، حيث لا تكفي الأسماء الكبيرة ولا الشهرة لحماية المدرب من ضغط النتائج والانضباط اليومي.
هناك، في الدرجات السفلى من الكرة الفرنسية، تشكلت ملامح مدرب يوصف بالصرامة والعناد والثقة بالنفس، قبل أن يصل اليوم إلى أكبر مهمة في مسيرته التدريبية.
من كان إلى مرسيليا.. ثم إلى مقاعد التدريب
صنع حمداني اسمه لاعبًا قبل أن يبدأ مسيرته التدريبية. لعب في فرنسا مع كان وستراسبورغ وأولمبيك مرسيليا، قبل أن ينتقل إلى غلاسكو رينجرز الاسكتلندي، كما حمل قميص المنتخب الجزائري وشارك معه دوليًا.
لكن التجربة التي ستكشف لاحقًا عن شخصيته التدريبية لم تكن في الملاعب الكبرى، وإنما بدأت في الأندية الفرنسية الأقل شهرة.
اشتغل حمداني مساعدًا في كوت بلو، قبل أن يتولى تدريب كوربفوا، ثم يقود مارينيان جينيّاك كوت بلو، الذي أشرف عليه كمدرب رئيسي لعدة مواسم. وتؤكد مصادر فرنسية أن نادي مارينيان أعلن في 2025 نهاية تعاونه مع حمداني، مشيدًا باستثماره اليومي واحترافيته والتزامه داخل وخارج الملعب.
إقرأ أيضا: حاج موسى رفض الهلال ووافق على الاتحاد.. لماذا؟
مدرب لا يحب الأعذار
في شهادات صحفية فرنسية سابقة، برزت صورة مختلفة قليلًا عن المدرب الذي يعرفه الجمهور الجزائري اليوم.
حمداني، وفق هذه الشهادات، لا ينظر إلى الانضباط باعتباره تفصيلًا ثانويًا.
اللاعب الغائب عن التدريبات دون سبب مقنع يضع نفسه مباشرة أمام المدرب، وحتى الإصابة لا تعني بالنسبة إليه الحصول تلقائيًا على إعفاء من الحضور؛ إذ يفضل أن تخضع الحالة للفحص الطبي داخل النادي، ثم يُعدّل برنامج اللاعب المصاب بما يسمح له بالبقاء مرتبطًا بالمجموعة.
الفكرة تبدو بسيطة، لكنها تكشف فلسفة الرجل: اللاعب المحترف مسؤول عن التزامه حتى عندما لا يستطيع اللعب.
«الرجل العابس» الذي يتغير داخل المجموعة
من يعرفون حمداني في تجاربه الفرنسية وصفوه أيضًا بشخصية قد تبدو، للوهلة الأولى، صارمة وثقيلة الحضور.
لكن هذه الصورة لا تستمر بالضرورة طويلًا.
فخلف المظهر الجاد، تظهر شخصية اجتماعية وودودة مع محيطها، وهي ثنائية تبدو حاضرة في شخصية المدرب الجديد: صرامة في العمل، وانفتاح في التعامل عندما تنتهي حدود الانضباط المهني.
وهذا النوع من الشخصيات ليس جديدًا على المنتخب الجزائري؛ فقد عرف «الخضر» مدربين ارتبطت أسماؤهم بقوة الشخصية ووضوح القواعد، من وحيد خليلوزيتش إلى جمال بلماضي.
لكن حمداني يدخل التجربة في سياق مختلف، وبسيرة تدريبية أقل شهرة على المستوى الأول.
لا مكان عنده للأسماء فقط
من أبرز السمات المنسوبة إلى حمداني أنه لا يمنح اللاعب المخضرم امتيازًا لمجرد امتلاكه اسمًا كبيرًا أو سنوات طويلة من الخبرة.
هو يحترم الخبرة، لكنه يربط المشاركة أساسًا بما يقدمه اللاعب في التدريبات وما يبديه من جدية والتزام.
بمعنى آخر، الاجتهاد يمكن أن يرفع لاعبًا إلى التشكيلة الأساسية، بينما الاسم وحده لا يضمن له مكانًا فيها.
وهذه النقطة قد تكون من أكثر ما سيُراقب في تجربته مع المنتخب الأول، خصوصًا أن غرفة ملابس «الخضر» تضم لاعبين ينشطون في أكبر الدوريات الأوروبية.
من أندية فرنسا الصغيرة إلى المنتخب الأول
المسافة بين مارينيان والمنتخب الجزائري الأول تبدو طويلة جدًا.
لكنها بالنسبة لحمداني كانت سلسلة متدرجة من التجارب.
تجربة الأندية الفرنسية منحته احتكاكًا يوميًا بتفاصيل التدريب، ثم انتقل إلى العمل ضمن منظومة المنتخبات الوطنية، قبل أن يقود منتخب الجزائر تحت 21 سنة إلى ذهبية ألعاب البحر المتوسط 2026، وهو الإنجاز الذي جاء قبل أيام فقط من تعيينه رسميًا مدربًا للمنتخب الأول.
كما يمتلك حمداني شهادة UEFA Pro، وهي أعلى درجات شهادات التدريب الأوروبية، ما يعزز أهليته الفنية للمهمة الجديدة.
أول امتحان.. لا وقت للتجارب
اختيار حمداني لا يمنحه فترة طويلة للتعرف إلى أجواء المنتخب الأول.
فموعده الأول يقترب سريعًا، إذ سيستهل «الخضر» مشوار تصفيات كأس أمم إفريقيا 2027 أمام زامبيا يوم 25 سبتمبر في ملعب حسين آيت أحمد بتيزي وزو، قبل مواجهة بوروندي يوم 29 سبتمبر في بوجومبورا.
وبالتالي، فإن الحديث عن شخصية المدرب لن يبقى طويلًا في إطار الحكايات والشهادات القادمة من الملاعب الفرنسية.
قريبًا، سيُختبر حمداني في أصعب مكان ممكن: غرفة ملابس المنتخب الجزائري الأول.
هناك، لن يكفي أن يكون صارمًا أو عنيدًا أو واثقًا من أفكاره.
عليه أن يثبت أن هذه الصفات نفسها يمكن تحويلها إلى منتخب منضبط، قوي الشخصية، وقادر على الفوز.
وربما يكون هذا هو الرهان الحقيقي لإبراهيم حمداني: أن ينتقل من مدرب نجح في فرض شخصيته على مجموعات صغيرة في فرنسا، إلى مدرب يستطيع إدارة مجموعة من نجوم الكرة الجزائرية والأوروبية دون أن يخسر توازنه أو أفكاره.
#الجزائر #إبراهيم_حمداني #المنتخب_الجزائري







